أكاديمي وسياسي وكاتب تركي.
بعد نحو عام من زيارتي السابقة، عدت إلى بنغلاديش مرة أخرى. كنت قد زرتها قبل عام بمناسبة الذكرى السنوية لثورة يوليو/تموز، حيث أتيحت لي فرصة ملاحظة الحماس الذي رافق الثورة، واندفاع الشباب، واستعادة المجتمع أنفاسه، والأجواء النفسية التي ولّدها اللقاء الأول بين الحرية وشعب ظل مكبوتا ومقموعا لسنوات طويلة.
وللأمانة، عندما جئت هذا العام لم أستطع أن أمنع نفسي من استحضار صورة مجازية تربط بين الأمطار التي لم تستوقفني كثيرا في العام الماضي، وبين المسار الثوري الذي شهدته بنغلاديش.
ففي الحقيقة، أول ما يستقبل الزائر داكا ليس غالبا حشود الناس، بل المطر. ويعد شهر يوليو/تموز على وجه الخصوص أكثر شهور الأمطار الموسمية "المونسون" غزارة.
والمطر هنا ليس مجرد ظاهرة جوية، بل هو فاعل رئيسي يحدد إيقاع الحياة. فالفصول لا تعرف من صفحات التقويم، بل من لون السماء وشدة الهطول. وقد يبدأ اليوم بحرارة خانقة تحت شمس لاهبة، ثم لا تلبث السماء أن تتغير كليا بعد الظهر حين تتجمع السحب السوداء فجأة. فالناس الذين كانوا قبل دقائق يتصببون عرقا تحت الشمس، يجدون أنفسهم فجأة يبحثون عن مأوى من أمطار المونسون المنهمرة.
وقد حدث الأمر نفسه خلال هذه الزيارة. بقيت السماء صامتة لساعات طويلة دون أي إشارة، ثم أظلم الأفق فجأة، وخلال دقائق معدودة انهمر المطر بغزارة شديدة حتى تحولت بعض الشوارع والأزقة إلى ما يشبه البرك الصغيرة. كانت عربات "الركشة" تحاول التقدم وسط المياه، وأصحاب المتاجر يسارعون إلى حماية بضائعهم، بينما كان الناس يتعاملون مع هذا المشهد كله وكأنه جزء طبيعي من مجرى الحياة اليومية.
💬 التعليقات (0)