"السلام ليس غياب الصراع، بل القدرة على التعامل معه بوسائل خلاقة". (يوهان غالتونغ)
في زمنٍ تتعاظم فيه أصوات الاستقطاب، وتتراجع فيه مساحات الإصغاء، يبدو العالم كأنه يفقد إحدى أهم مهاراته الإنسانية: القدرة على الحوار. فمن الحروب التي تمزق الدول، إلى الانقسامات التي تشطر المجتمعات، وصولًا إلى الخلافات التي تتسلل إلى الأسرة ومكان العمل، لم يعد النزاع استثناءً، بل أصبح جزءًا من المشهد اليومي. غير أن المشكلة ليست في وجود النزاعات، فالاختلاف قانون من قوانين الحياة، وإنما في الطريقة التي نختار بها إدارتها؛ فإما أن تتحول إلى وقود للكراهية والعنف، وإما أن تصبح فرصة للفهم والتغيير وإعادة بناء الثقة.
من هنا، تبرز الوساطة والحوار، لا باعتبارهما تقنيتين لحل الخلافات فحسب، بل بوصفهما فلسفة إنسانية تعيد الاعتبار للإنسان، وتؤكد أن العدالة لا تكتمل بالعقوبة وحدها، وأن السلام لا يُبنى بالغلبة، بل بالاعتراف المتبادل والكرامة المشتركة.
الوساطة، في جوهرها، عملية طوعية يتدخل فيها طرف ثالث محايد لمساعدة أطراف النزاع على الوصول إلى حل يصنعونه بأنفسهم، لا يُفرض عليهم من الخارج. ولهذا تختلف عن القضاء؛ فالقاضي يحسم النزاع وفق القانون، أما الوسيط فيفتح مساحة للحوار، ويبحث مع الأطراف عن المصالح والاحتياجات التي تختبئ خلف المواقف المتصلبة. إنها لا تبحث عن غالب ومغلوب، بل عن مستقبل يستطيع الجميع العيش فيه.
ولذلك أصبحت الوساطة إحدى أهم أدوات العدالة التصالحية، التي لا تنظر إلى النزاع باعتباره مخالفة قانونية فقط، بل باعتباره خللًا في العلاقة الإنسانية يحتاج إلى إصلاح. فالعدالة، في هذا التصور، لا تقتصر على إصدار الأحكام، وإنما تسعى أيضًا إلى إعادة بناء الثقة، وترميم ما كسرته الخصومة من علاقات ومشاعر وانتماء.
وقد طوّر الباحثان الأمريكيان روبرت بوش وجوزيف فولغر مفهوم "الوساطة التحويلية"، مؤكدين أن النجاح الحقيقي للوساطة لا يقاس بعدد الاتفاقيات الموقعة، بل بقدرتها على تمكين الأطراف من استعادة أصواتهم، والاعتراف بإنسانية بعضهم بعضًا، حتى عندما تبقى بعض نقاط الخلاف قائمة.
💬 التعليقات (0)