هناك لحظات في تاريخ الشعوب لا تتغير فيها الجغرافيا وحدها، بل يتغير فيها اتجاه الزمن نفسه. وأخشى أن تكون القضية الفلسطينية قد دخلت واحدة من تلك اللحظات.
لسنوات طويلة، كان الفلسطيني يؤمن بأن الزمن يعمل لمصلحته. كان يعتقد، ومعه كثيرون في العالم، أن الاحتلال مهما طال عمره سيبقى حالة استثنائية، وأن الحق لا يسقط بالتقادم، وأن المشروع الاستيطاني سيصطدم في نهاية المطاف بإرادة شعب متمسك بأرضه، وبقانون دولي يرفض الاحتلال، وبضمير إنساني لا يمكن أن يقبل الظلم إلى الأبد.
لكن السياسة لا تُدار بالنوايا، بل بحركة الوقائع.
واليوم، تبدو إسرائيل وكأنها تخوض معركة مختلفة تمامًا. لم تعد تسعى فقط إلى السيطرة على الأرض، بل إلى السيطرة على الزمن السياسي للقضية الفلسطينية، بحيث يصبح مرور السنوات مكسبًا استراتيجيًا لها، لا عبئًا عليها.
هذه هي الفكرة التي تفسر معظم ما نشهده في الضفة الغربية.
فالاستيطان لم يعد مجرد بناء وحدات سكنية جديدة، بل أصبح إعادة رسم للخريطة. والطرق الالتفافية لم تعد مشاريع بنية تحتية، بل أدوات لإعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية. أما السيطرة على المواقع التاريخية والأثرية، من سبسطية و بئر حرم الرامة إلى برك سليمان وغيرها، فلم تعد شأنًا ثقافيًا، بل محاولة لإعادة كتابة الرواية، وإضفاء شرعية تاريخية على مشروع سياسي يعرف أصحابه أن القوة وحدها لا تصنع الشرعية.
💬 التعليقات (0)