"إننا نعيش لحظة مفصلية في التاريخ، لن يكون العالم بعدها كما كان"
بواسطة (المستشار الألماني السابق أولاف شولتس)
في 27 فبراير/شباط 2022، وبعد أيام قليلة من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، وقف المستشار الألماني السابق أولاف شولتس أمام البرلمان الألماني (البوندستاغ) ليلقي خطابا مطولا اتسم بنبرة عاطفية قوية. استدعى شولتس في خطابه ذاكرة الحربين العالميتين وما خلّفتاه من مآسٍ على القارة الأوروبية، مستخدما لوصف الغزو الروسي وما يترتب عليه مصطلح "Zeitenwende"، أو "نقطة تحول تاريخية". حينها قال عبارته الشهيرة: "إننا نعيش لحظة مفصلية في التاريخ، لن يكون العالم بعدها كما كان".
في ذلك الخطاب، طرح شولتس تساؤلات جوهرية حول قدرة "العالم الديمقراطي" على كبح جماح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي وصفه بأنه "أحد دعاة الحرب". وأكد أن مواجهة هذا التحدي تتطلب من المنظومة الأمنية الأوروبية أن تتحول إلى قوة فعلية لا مجرد مظلة رمزية، معلنا عزمه خوض هذا المسار عبر حزمة من الإجراءات المتكاملة. تمثلت الخطوة الأولى في تقديم دعم مادي وعسكري واسع لأوكرانيا، والثانية في فرض عقوبات اقتصادية قاسية على موسكو لتكبيدها ثمنا باهظا لحربها.
أما الإجراء الثالث فكان منع تمدد الحرب الأوكرانية إلى دول أوروبية أخرى من خلال تعزيز التنسيق الدفاعي بين دول حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والعمل على تعزيز انتشار القوات العسكرية في دول الجناح الشرقي للحلف مثل ليتوانيا وسلوفاكيا. وإلى جانب ذلك، أعلن شولتس عن توجه إستراتيجي جديد للاستثمار في بناء جيش ألماني قوي ومتقدم قادر على مواجهة التهديد الروسي، كاشفا عن إنشاء صندوق خاص بقيمة 100 مليار يورو (نحو 108 مليارات دولار) لتحديث الجيش الألماني وإعادة تسليحه.
كان هذا الإعلان بمثابة نقطة تحوّل جذرية في السياسة الأمنية الألمانية. وقد رصدت هذا التحول الباحثة ماريون مسمر، مديرة برنامج الأمن الدولي في المعهد الملكي للشؤون الدولية "تشاتام هاوس"، مؤكدة أن الغزو الروسي لأوكرانيا مثّل جرس إنذار للدول الأعضاء في الناتو عموما، لكنه حمل أثرا أعمق على ألمانيا تحديدا. فإرث الحرب العالمية الثانية أجبر برلين لعقود على أن تكون دولة سلمية "ضعيفة التسليح" عمليا. لذلك شكّل الغزو بالنسبة لها لحظة إعادة صياغة للعقيدة العسكرية، تعيد إدماج ألمانيا في سباق التسلح، وتفتح الباب الذي ظل موصدا طويلا أمام إعادة بناء جيشها.
💬 التعليقات (0)