يتوقع الناس عادة الحديث عن "التراجع" مع التقدم في العمر؛ تراجع الطاقة والقدرة على الإنجاز والتعلم، حتى صار عمر الخمسين بالنسبة إلى كثيرين مرادفا لبداية الانحدار المهني. لكن ما تكشفه أبحاث علم النفس يرسم صورة أكثر تعقيدا وإثارة للاهتمام.
صحيح أن الموظف في الخمسين قد لا ينجز المهام بالسرعة نفسها التي كان عليها في الثلاثين، لكن خبراته المتراكمة وطريقته في تقييم الأولويات والتعامل مع الضغوط والعلاقات المهنية تمنحه ميزة مختلفة، إذ يصبح أقل انشغالا بإثبات ذاته، وأكثر تركيزا على ما يحقق قيمة حقيقية ومعنى أعمق لعمله.
لهذا، يشعر كثيرون بأن الرضا المهني لا يبلغ ذروته في بدايات المسيرة، بل بعد سنوات طويلة من التجربة، حين يعيد العقل ترتيب أولوياته ويتعامل مع النجاح بمنظور أكثر اتزانا وهدوءا. فما الذي يتغير في طريقة التفكير بعد الخمسين؟ ولماذا يبدو العمل -بالنسبة إلى كثيرين- أكثر راحة وإرضاء مما كان عليه في العقود السابقة؟
يميل كثيرون إلى تفسير الراحة الأكبر في العمل بعد الخمسين بأنها نتيجة مباشرة لتراكم الخبرة، لكن الأبحاث والنظريات في علم النفس تشير إلى أن ما يتغير ليس المهارات المهنية فقط، بل الدوافع التي تحرك الإنسان أيضا.
وفق نظرية "الانتقائية الاجتماعية العاطفية" في تطور مراحل الحياة، يقوم هذا التغير على قدرة الإنسان الفريدة على إدراك الزمن ومراقبة مروره. تؤكد النظرية أن اقتراب النهايات -سواء بسبب الشيخوخة أو غيرها من الظروف مثل الانتقال الجغرافي أو المرض الشديد- يحدث تغييرات في الدافعية، إذ تُعطى الأولوية للأهداف ذات المعنى العاطفي على حساب الاستكشاف.
هنا لا يتعامل العقل مع مرور الزمن بوصفه مجرد زيادة في عدد السنوات، بل بوصفه عاملا يعيد ترتيب الأولويات. وكلما أصبح الإنسان أكثر إدراكا لمحدودية الوقت، اتجه تلقائيا إلى تفضيل الأهداف التي تمنحه قيمة ومعنى، بدلا من الانشغال الدائم بتوسيع الخيارات أو خوض تجارب جديدة لمجرد الاستكشاف.
💬 التعليقات (0)