شبكة قُدس: في ظل تصاعد الحرب وتواصل الانتهاكات في فلسطين والمنطقة، تتوسع في المقابل شبكات من المشاريع والمبادرات الممولة دولياً تحت عناوين “بناء السلام” و“الحوار” و“تمكين الشباب والنساء”. وتُقدَّم هذه البرامج في الخطاب الرسمي بوصفها أدوات لتعزيز التفاهم والتعايش والمشاركة المدنية، غير أن قراءة أعمق لبنيتها وشركائها تكشف عن إشكاليات سياسية تتعلق بطبيعة الأجندات التي تحملها، وحدود الفصل بين العمل التنموي وبين مسارات التطبيع غير المباشر مع الاحتلال، في محاولة لإعادة صياغة المفاهيم السياسية الحساسة بلغة إنسانية وتنموية تُخفف من حدة الصراع وتعيد إنتاجه في قوالب أقل صدامية.
وهذا التوسع في مشاريع “بناء السلام” لا يمكن فصله عن التحولات الأوسع في مقاربة إدارة الصراع، حيث يجري نقل مركز الثقل من المسار السياسي المباشر إلى مساحات المجتمع المدني والتعليم والعمل الشبابي، بما يخلق طبقة من التدخلات الناعمة التي تبدو في ظاهرها محايدة.
غير أن هذه المقاربة تُنتج فعلياً شبكة علاقات معقّدة بين مؤسسات محلية وجهات دولية وأطراف مرتبطة بالاحتلال، ما يفتح الباب أمام إعادة تعريف الصراع ذاته من كونه قضية سياسية قائمة على الاحتلال والحقوق، إلى “نزاع اجتماعي” يمكن معالجته عبر الحوار والمشاريع المشتركة، وفي هذا السياق، تصبح مفاهيم مثل “التمكين” و“التعايش” أدوات وظيفية لإعادة تشكيل الوعي العام، أكثر من كونها حلولاً فعلية تعالج جذور الأزمة البنيوية.
وتتم هذه المسارات عبر مشاريع وشراكات وتمويلات دولية، تُقدَّم بوصفها أدوات لتعزيز الحوار وبناء السلام وتمكين الشباب والنساء، غير أنها تشكّل في جوهرها جزءاً من عملية تطبيع تدريجي، يُعاد تسويقه بلغة التنمية والمجتمع المدني، بما يخفف من حساسيتها السياسية ويعيد تقديمه في إطار إنساني وتنموي.
وتشير معطيات هذه المشاريع من بينها ما يعرف باسم "مختبر بناء السلام"، إلى توسع في شبكات التعاون غير المباشر بين أطراف محلية ومؤسسات مرتبطة بالاحتلال أو تعمل معه ضمن أطر إقليمية ودولية، تستخدم مفاهيم مثل "بناء السلام" كمدخل للتطبيع، تحت غطاء تمكين الفئات الشابة وتعزيز قدرات الحوار والمشاركة المدنية كمدخل لتخفيف "التوترات".
يعرف مشروع "مختبر بناء السلام" أو (Peacebuilding Lab)، نفسه على أنه "مبادرة تعاونية تجمع منظمات من دول مختلفة لتعزيز الحوار والتفاهم المتبادل بين الشباب"، و"يشجع الشباب على الانخراط في حوار حقيقي بين الثقافات والاحترام بين المجتمعات المتنوعة"، وذلك من خلال "مساحات إلكترونية تتيح للمشاركين من دول مختلفة الالتقاء والتعاون وتبادل وجهات النظر".
💬 التعليقات (0)