1000 يوم مضت منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكنها لم تكن مجرد أيام عابرة في تاريخ الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، بل تحولت إلى حدث مفصلي أعاد رسم المشهد الفلسطيني والإقليمي، وترك واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في التاريخ الحديث لقطاع غزة. وخلال هذه الأيام، تعاقبت أحداث مفصلية تركت آثاراً إنسانية وسياسية وعسكرية عميقة، بدءاً من عملية "طوفان الأقصى"، مروراً بالمجازر التي استهدفت الأحياء السكنية والمستشفيات ومخيمات النزوح، وصولاً إلى المجاعة التي ضربت السكان، وصفقات تبادل الأسرى التي شكلت محطات بارزة في مسار الحرب. محطة تاريخية في السابع من أكتوبر 2023، أطلقت كتائب القسام الجناح العسكري لحركة حماس، عملية "طوفان الأقصى"، التي تضمنت هجوماً واسعاً على مواقع وقواعد عسكرية ومستوطنات إسرائيلية في محيط قطاع غزة، وأسفرت عن مقتل وأسر عدد من الجنود والمستوطنين. وردّت "إسرائيل" بإعلان الحرب على قطاع غزة، لتبدأ حملة عسكرية غير مسبوقة من حيث كثافة القصف واتساع العمليات البرية. ويرى الباحث في الشأن الأمني والعسكري د. أيمن إسماعيل أن السابع من أكتوبر شكّل محطة تاريخية واستراتيجية في مسار القضية الفلسطينية، ويمكن مقارنته بمحطات مفصلية في تاريخ حركات التحرر، مثل معركة الجزائر العاصمة وهجوم "تيت" في فيتنام. ويقول إسماعيل لـ "الرسالة نت": إن "العملية جاءت بعدما وصلت القضية الفلسطينية إلى طريق مسدود سياسياً، في ظل استمرار الاستيطان والحصار وتحويل غزة إلى مجرد ملف إنساني"، مضيفاً أن المقاومة رأت أن تنفيذ عملية واسعة أصبح الخيار الوحيد لإعادة القضية إلى صدارة الاهتمام العالمي، رغم إدراكها لحجم الأثمان التي سيدفعها الشعب الفلسطيني. ويوضح إسماعيل أن العملية فرضت القضية الفلسطينية مجدداً على الساحة الدولية، وأعادت الحديث عالمياً عن الاحتلال وحق الفلسطينيين في الحرية، معتبراً أن الاحتلال تكبد خسائر عسكرية وبشرية كبيرة، سواء خلال الهجوم الأول أو في العمليات البرية التي تلته. ويرى أن تداعيات الحرب تجاوزت الجانب العسكري، إذ أحدثت تصدعات داخل المشروع الإسرائيلي، وأثرت في صورة "إسرائيل" باعتبارها مكاناً آمناً، مع تزايد الحديث عن الهجرة العكسية، مؤكداً أن السابع من أكتوبر سيبقى، من وجهة نظره، نقطة تحول استراتيجية في تاريخ الصراع. مجازر مروعة وفي خضم حرب الإبادة، كان حي الشجاعية شرق مدينة غزة من أكثر المناطق التي تعرضت للاستهداف خلال الحرب. شهد الحي عمليات عسكرية متكررة رافقها قصف جوي ومدفعي مكثف، أدى إلى تدمير أحياء كاملة وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، فيما اضطر السكان للنزوح مرات متتالية. وتحولت الشجاعية إلى أحد أبرز رموز الدمار الذي لحق بمدينة غزة. وفي السابع عشر من أكتوبر 2023، تعرض مستشفى المعمداني بمدينة غزة للقصف، بينما كان يؤوي آلاف النازحين. وأثار الهجوم موجة إدانات دولية واسعة، وسط تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عنه، فيما شكّل الحادث نقطة تحول في تصاعد الاهتمام الدولي بالأوضاع الإنسانية في القطاع. ومن الجدير ذكره، أنه في 17 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ارتكب جيش الاحتلال الإسرائيلي مجزرة مروعة في المستشفى، حينما قصفت طائراته ساحة المستشفى التي كانت تأوي مئات النازحين، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 500 فلسطيني غالبيتهم من النساء والأطفال، وإصابة مئات آخرين. ولم تكن هذه الغارة الأولى على المستشفى، خلال حرب الابادة على قطاع غزة، فقد استهدفته طائرات الاحتلال في 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ما أدى لإصابة 4 من كوادره الطبية وتضرر بعض أقسامه. ووفق المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، فإنه منذ حرب الإبادة على القطاع وجيش الاحتلال يستهدف المنظومة الصحية بشكل مخطط ومدروس، وذلك من خلال تدمير وإحراق المستشفيات والمراكز الطبية وإخراجها عن الخدمة، وكذلك قتل أكثر من 1000 طبيب وممرض وكادراً صحياً، واعتقال المئات منهم وتعريضهم للتعذيب والإعدام، وكذلك منع ادخال المستلزمات الطبية والوفود الصحية ومئات الجراحين إلى القطاع. وبعد مرور عدة أشهر على حرب الإبادة، كانت مدينة رفح أقصى جنوب قطاع غزة، الملاذ الأخير لمئات آلاف النازحين. إلا أن العمليات العسكرية امتدت إليها أيضاً، وتعرضت المدينة ومخيماتها لغارات مكثفة، كان أبرزها استهداف مخيمات تؤوي نازحين، ما أدى إلى ارتقاء عشرات الشهداء، وأعاد تسليط الضوء على أوضاع المدنيين الذين لم يعد لديهم مكان آمن يلجؤون إليه. مجاعة غزة مع استمرار إغلاق المعابر وتقييد دخول المساعدات الإنسانية، دخل قطاع غزة في أزمة غذائية غير مسبوقة. حذرت منظمات الأمم المتحدة من خطر المجاعة، خاصة في شمال القطاع، مع انتشار سوء التغذية بين الأطفال وارتفاع معدلات الوفيات المرتبطة بالجوع ونقص الدواء. وأصبحت مشاهد البحث عن الطعام والوقوف لساعات طويلة للحصول على وجبة واحدة جزءاً من الحياة اليومية للسكان. ويقول المواطن خالد عبد القادر (55 عاماً) إنه عاش مع أفراد أسرته الخمسة أشهراً قاسية من المجاعة، في وقت كانت زوجته بحاجة إلى غذاء ورعاية خاصة بعد خضوعها لعملية جراحية. ويضيف عبد القادر لـ "الرسالة نت"، أن الطحين اختفى لفترات طويلة، واضطرت العائلة للاعتماد على التكايا الخيرية التي لم تكن توفر الطعام بشكل منتظم، مؤكداً أن الاحتلال ما زال يتحكم في كميات ونوعية البضائع الداخلة إلى القطاع، بينما يحول فقدانه لعمله منذ بداية الحرب دون شراء ما يتوفر من سلع، معرباً عن أمله في انتهاء الحرب وعودة الحياة إلى طبيعتها. حياة النزوح كانت رحلة النزوح واحدة من أقسى فصول الحرب بالنسبة لآلاف العائلات الفلسطينية. وأقيمت مئات المخيمات العشوائية في المدارس والساحات والأراضي المفتوحة وعلى شاطئ البحر. وعاش النازحون في خيام تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وسط نقص المياه الصالحة للشرب، وانعدام الخدمات الصحية، وانتشار الأمراض، إضافة إلى تعرض العديد من هذه المخيمات للقصف، ما جعل النزوح نفسه محفوفاً بالمخاطر. ويروي المواطن منار دحلان، وهو من سكان مخيم جباليا شمالي القطاع، أنه اضطر إلى النزوح أكثر من عشر مرات منذ بداية الحرب، متنقلاً بين الخيام ومراكز الإيواء هرباً من العمليات العسكرية. ويقول دحلان لـ "الرسالة نت"، إن آخر محطات نزوحه كانت إلى منطقة المواصي غرب خانيونس، حيث يقيم مع أسرته داخل خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، مؤكداً أن النزوح المتكرر أنهكه نفسياً واقتصادياً، بعدما فقد مصدر رزقه بالكامل، وأصبحت أسرته تعتمد بشكل كامل على التكايا الخيرية لتأمين الطعام. ويضيف أن الحرب تركت آثاراً اجتماعية ونفسية عميقة على آلاف الأسر الفلسطينية، مطالباً المجتمع الدولي والعالمين العربي والإسلامي بالتحرك لإنهاء الحرب ووضع حد لمعاناة المدنيين. صفقات التبادل شهدت الحرب عدة جولات من صفقات تبادل الأسرى بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال بوساطة إقليمية ودولية. وأفضت هذه الصفقات إلى الإفراج عن أسرى ومعتقلين من الجانبين، وترافقت مع هدن إنسانية مؤقتة سمحت بإدخال جزء من المساعدات الإنسانية وإجلاء عدد من الجرحى والمرضى، إلا أنها لم تنهِ الحرب، التي استمرت بوتيرة متفاوتة حتى تجاوزت ألف يوم. وفي تقييمه لصفقات تبادل الأسرى، يقول الباحث في الشأن العسكري إسماعيل، إن المقاومة أبرمت صفقات التبادل ونجحت في تحقيق هدف يتمثل في الإفراج عن أعداد من الأسرى الفلسطينيين. ويشير إلى أن هذه الصفقات حملت أيضاً رسائل سياسية وأخلاقية، من خلال إظهار أسلوب تعامل المقاومة مع الأسرى الإسرائيليين، مقابل ما يتعرض له الأسرى الفلسطينيون داخل سجون الاحتلال، معتبراً أن ذلك شكّل جزءاً من معركة الرواية أمام الرأي العام الدولي. ويؤكد أن ما بعد السابع من أكتوبر يجب أن يقود إلى نتائج سياسية تعكس حجم التضحيات التي قدمها الفلسطينيون، مشيراً إلى أن الضغوط الدولية المتزايدة قد تدفع "إسرائيل" مستقبلاً إلى تقديم تنازلات سياسية، في ظل استمرار المطالبة بإقامة دولة فلسطينية.
بعد ألف يوم على اندلاع معركة "طوفان الأقصى"، تبدو غزة أمام واقع مختلف تماماً عما كان عليه قبل الحرب. وبينما لا تزال الحرب وتداعياتها مستمرة، تبقى هذه المحطات شاهدة على واحدة من أكثر المراحل تأثيراً في تاريخ القضية الفلسطينية الحديث، وعلى تحولات ستظل تلقي بظلالها على مستقبل المنطقة لسنوات طويلة.
💬 التعليقات (0)