"المنفى ليس أن تبتعد عن الوطن، المنفى أن يبتعد الوطن عنك.
ليست كل الرحلات تُقاس بعدد المدن التي نزورها، ولا بعدد الصور التي نلتقطها، بل هناك رحلات نعود منها حاملين حكايات تغير نظرتنا إلى الإنسان والتاريخ معًا. هكذا كانت زيارتي إلى قبرص الأسبوع الماضي، حين تشرفت بضيافة صديقي جورجوس زيسيموس مع مجموعة من الأصدقاء الذين تشرفت بمعرفتهم، جورجوس لم يفتح لي باب منزله فقط، لكنه في الحقيقة فتح لي بابًا آخر؛ باب الذاكرة.
في ذلك البيت الريفي الهادئ، لم أشعر أنني ضيف على عائلة قبرصية، بل إنني أجلس بين أناس أعرفهم منذ زمن بعيد. استقبلني والده ميخاليس زيسيموس، ووالدته الجميلة روزا زيسيموس، بمحبة صادقة لا تصنعها المجاملات، وإنما تصنعها التجارب القاسية التي تعلم الإنسان كيف يحتضن الآخرين.
في صباح اليوم الثاني، وبعد يوم متعب من السباحة في بحر قبرص الهادئ، جلسنا في أجواء أكثر خفة وهدوءًا. وحين كنت احاول الإستيقاظ بابتسامة عابرة، سألت إن كان لديهم قهوة عربية أو تركية، فضحك ميخاليس وقال بعفوية: “لدينا قهوة قبرصية فقط”. ضحكنا جميعًا، وكأننا في تلك اللحظة نعيد اكتشاف المعنى البسيط للأشياء؛ فالقهوة، مثل الذاكرة واللجوء، قد تختلف أسماؤها، لكنها تحتفظ بذات الدفء حين تُشرب بين أناس يجمعهم الود والإنسانية.
جلسنا لساعات طويلة، ولم يكن حديثنا عن السياسة بقدر ما كان عن الإنسان. عن البيت حين يتحول إلى ذكرى، وعن المدينة التي تظل تسكن أصحابها حتى وإن مُنعوا من العودة إليها، وعن اللجوء الذي لا ينتهي بمجرد العثور على مأوى جديد.
ولد جورجوس في مدينة فاماغوستا في التاسع والعشرين من أيار عام 1947. هناك بدأ كل شيء؛ الطفولة، والبحر، والأحلام الصغيرة التي يظن الأطفال أنها سترافقهم إلى الأبد. لكن التاريخ، كما يفعل دائمًا، قرر أن يكتب فصلًا آخر.
💬 التعليقات (0)