أمد/ في لحظات التحولات الكبرى لا تُقاس مواقف الشعوب فقط بما تفعله، وإنما بما تختار ألا تفعله أيضًا. فالصمت في كثير من الأحيان ليس استسلامًا، كما أن الامتناع عن النزول إلى الشارع ليس بالضرورة تعبيرًا عن الرضا، بل قد يكون رسالة سياسية أكثر عمقًا من أي هتاف.
ما جرى في قطاع غزة مؤخرًا يكشف عن حقيقة تستحق التأمل. فالشعب الذي عاش حربًا غير مسبوقة، ودفع أثمانًا باهظة من دمائه وبيوته ومستقبله، كان أمام اختبار شديد الحساسية. فمن جهة، كان يدرك أن أي انقسام داخلي أو حراك غير محسوب قد يتحول إلى فرصة يستثمرها الاحتلال لتعميق حالة التفكك وإضعاف الجبهة الداخلية. ومن جهة أخرى، كان يحمل في داخله غضبًا متراكمًا من سنوات طويلة من الإخفاقات وسوء الإدارة وتغليب المصالح الفئوية على المصلحة الوطنية.
لهذا اختار كثيرون عدم الانجرار إلى مشهد قد يخدم أجندات أخرى، وليس لأنهم راضون عن الواقع القائم. لقد فرّق الفلسطينيون بين حقهم المشروع في محاسبة المسؤولين وبين رفضهم تقديم هدية مجانية للاحتلال في لحظة تاريخية شديدة التعقيد.
غير أن هذا الموقف لا ينبغي أن يُساء فهمه. فعدم خروج الناس لا يعني منح براءة لأحد، ولا يعني القبول باستمرار السياسات ذاتها. فالغضب الشعبي موجود، لكنه مؤجل، والاحتقان يتراكم بصمت. والمجتمعات التي خرجت من الحروب لا تنسى بسهولة من وقف إلى جانبها، كما لا تنسى من استثمر في آلامها أو حوّل المأساة إلى وسيلة لتحقيق النفوذ أو الثروة.
لقد ولّدت الحرب شعورًا متزايدًا لدى قطاعات واسعة بأن الخطاب السياسي لم يعد كافيًا لإقناع الناس، وأن الشعارات، مهما كانت كبيرة، لا تستطيع أن تعوض بيتًا هُدم، أو طفلًا فقد أسرته، أو شابًا فقد مستقبله. لذلك أصبحت الأولوية بالنسبة للمواطن هي الكرامة، وإعادة الإعمار، والعدالة، والشفافية، والمساءلة، وليس المزيد من الخطابات التي لا تنعكس على حياته اليومية.
ومن هنا تبدو الرسالة الشعبية واضحة: لقد منح الفلسطينيون القوى والفصائل فرصة جديدة، وربما تكون الأخيرة، لإعادة ترتيب أولوياتها. فالمطلوب اليوم ليس منافسة على السلطة، ولا صراعًا على النفوذ، وإنما مشروع وطني يضع الإنسان الفلسطيني في مركز الاهتمام، ويعيد بناء الثقة بين المجتمع وقياداته.
💬 التعليقات (0)