لم تكن الحروب بالنسبة لسراج حسن أبو شمالة مجرد تواريخ تُدوَّن في الذاكرة، بل محطات متتابعة من الفقد، تركت في حياته فراغًا أكبر مع كل عدوان. ففي كل مرة كانت الحرب تطرق بابه، كانت تنتزع فردًا جديدًا من عائلته، حتى لم يبقَ في النهاية سوى هو. بدأت رحلة الألم خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة صيف 2014، عندما استشهدت والدته، لتكون أولى الضربات التي تلقاها وهو لا يزال يحاول التشبث بما تبقى من أسرته. ومنذ ذلك الوقت، عاش سنوات يحمل ذكرى والدته، بينما كانت الحرب تواصل مطاردة العائلة. وبعد أكثر من عقد، وتحديدًا خلال عام 2025، عاد الفقد ليطرق باب سراج من جديد، باستشهاد شقيقه مهند أبو شمالة، لتتقلص دائرة العائلة أكثر، ويصبح عدد من تبقى من أشقائه أقل من أي وقت مضى.
لكن الضربة الأقسى جاءت في الأيام الأخيرة، عندما استهدف قصف إسرائيلي منطقة المواصي غرب خان يونس، التي كانت تُصنف سابقًا منطقة نزوح. وأسفر القصف عن استشهاد شقيقه عبد الله أبو شمالة وشقيقته إسلام أبو شمالة، لتنتهي رحلة العائلة بمشهد قاسٍ لم يكن يتخيله أحد. وباستشهاد عبد الله وإسلام، أصبح سراج الناجي الوحيد من أسرته المباشرة، بعد أن فقد والدته وأشقاءه واحدًا تلو الآخر على امتداد سنوات الحرب، في قصة تختصر حجم الخسائر الإنسانية التي خلفها العدوان على العائلات الفلسطينية.
ولقد مسحت عشرات العائلات في قطاع غزة من السجل المدني، بينما ينجو فرد واحد فقط ليحمل أسماء أحبته وذكرياتهم، ويعيش وحيدًا تحت وطأة الفقد. وتعكس قصة سراج أبو شمالة واقعًا يعيشه آلاف الفلسطينيين الذين لم يخسروا منازلهم ومصادر رزقهم فحسب، بل خسروا أيضًا آباءهم وأمهاتهم وإخوتهم وأبناءهم، لتتحول الحرب إلى سلسلة متواصلة من الوداع، لا تنتهي بانتهاء القصف، بل تستمر في ذاكرة الناجين سنوات طويلة. وبحسب أحدث بيانات الجهات الصحية في قطاع غزة، فقد أسفرت الحرب المستمرة منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 عن استشهاد أكثر من 70 ألف فلسطيني وإصابة ما يزيد على 136 ألفًا، فيما فقدت آلاف العائلات جميع أفرادها أو معظمهم، في واحدة من أكبر المآسي الإنسانية التي شهدها القطاع في تاريخه الحديث. وبحسب إحصاءات المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة، أُبيدت بالكامل نحو 2200 عائلة فلسطينية ومُسحت من السجل المدني منذ بدء الحرب في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، بعدما استشهد جميع أفرادها دون أن ينجو أحد. وفي المقابل، يوجد أكثر من 5120 عائلة لم يتبقَّ منها سوى ناجٍ واحد، بعد أن فقدت هذه العائلات أكثر من 9351 فردًا من أبنائها وأقاربها. وبينما يتحول بعض الناجين إلى آخر اسمٍ يحمل لقب عائلته، يبقى سراج أبو شمالة واحدًا من آلاف الفلسطينيين الذين لم ينجوا من الحرب، بل نجوا فقط ليشهدوا على غياب عائلاتهم بأكملها.
💬 التعليقات (0)