مرة أخرى أجد نفسي مضطراً للعودة إلى ما يقوله فراس السواح ويوسف زيدان، ليس لأن ما يطرحانه يمثل اكتشافاً معرفياً كبيراً، بل لأن حجم الصدمة التي يتعمدان إحداثها يجعل الصمت نوعاً من التسليم بما لا أراه إلا قراءة مضللة للتاريخ والدين والإنسان معاً.
فراس السواح يقول إن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان مسيحياً، وإن القرآن ليس إلا امتداداً لأساطير وقصص شعوب سابقة، من السومريين إلى السريان وغيرهم، ويذهب أبعد من ذلك حين يطرح فكرة أن الله هو جبريل، وكأنه يحمل الحقيقة النهائية في جيبه، أو كأن أربعة عشر قرناً من الفكر الإسلامي والتفسير والعقيدة كانت مجرد خطأ جماعي اكتشفه أخيراً باحث معاصر.
أما يوسف زيدان فيقول إن أبرهة الحبشي لم يكن يريد هدم الكعبة، بل كان قديساً مسيحياً، ويشكك في قصة أصحاب الفيل بحجة أن الفيلة لا تستطيع الوصول من اليمن إلى مكة، ويعتبر أن الرواية مستمدة من الأناجيل المنحولة أو الأبوكريفا.
بالنسبة لي، ليست المشكلة فقط في صحة هذه الأقوال أو بطلانها، فهناك باحثون ومؤرخون وعلماء عرب ومسلمون ناقشوا هذه المسائل وأثبتوا هشاشة كثير من هذه الادعاءات، وإنما المشكلة الأعمق هي: لماذا يختار البعض أن يخوض معاركه الفكرية بهذه الطريقة الصادمة في مجتمعات تعيش أصلاً تحت وطأة القتل والاقتلاع والتهجير والفقر والقهر؟
ماذا تقول لأب فقد ابنه أو لإنسان هُدمت داره أو لشعب يعيش تحت الاحتلال والحصار؟ هل تقول له إن كل ما يستند إليه من إيمان وأمل وقوة روحية ليس سوى أساطير منقولة؟ هل تقول له إن كل ما يمنحه القدرة على الصمود مجرد وهم تاريخي؟
المشكلة أن من يريد نزع الإيمان من الناس لا يقدم بديلاً حقيقياً. لا يكفي أن ترفع شعارات التنوير والحداثة وإعادة قراءة التراث، ثم تترك الإنسان وحيداً في مواجهة الخراب. أين المشروع الأخلاقي البديل؟ أين الرؤية التي تمنح الإنسان معنى وقدرة على الاحتمال؟
💬 التعليقات (0)