لم تعد الأوضاع في قطاع غزة مجرد أزمة إنسانية، بل باتت تعبيراً عن مرحلة متقدمة من حرب الإبادة الإسرائيلية، التي تتخذ أشكالاً متعددة من القتل والقصف والاغتيالات، وصولاً إلى التجويع والحصار الخانق وتقليص المساعدات الإنسانية. وفي الوقت نفسه، تواصل إسرائيل فرض وقائع ميدانية جديدة عبر توسيع ما يسمى “المنطقة العازلة” أو “الخط الأصفر”، الذي بات يشمل ما يقارب 70% من مساحة القطاع، بينما يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التهديد باستمرار الحرب ورفض أي التزام واضح بإنهائها.
في المقابل، يترقب الفلسطينيون في قطاع غزة نتائج المباحثات الجارية بين الفصائل الفلسطينية والوسطاء، وسط ضغوط متزايدة للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، يعيد تعريف مستقبل القطاع سياسياً وأمنياً، لا سيما في ما يتعلق بقضية السلاح، والإدارة المدنية، والترتيبات الأمنية.
غير أن ما يجري اليوم لا يمكن اختزاله في مفاوضات وقف إطلاق نار، بل يبدو جزءاً من محاولة أوسع لإنتاج واقع سياسي وجغرافي وديموغرافي جديد في غزة، يجعل من نتائج الحرب نقطة انطلاق لمرحلة مختلفة، لا نهايتها. وهنا يبرز سؤال يتجاوز تفاصيل التفاوض إلى طبيعة المرحلة نفسها: هل نحن أمام نهاية للحرب، أم أمام إعادة صياغة شكل غزة ومستقبلها؟
في هذا السياق، يصبح الضغط الدولي جزءاً من المشهد السياسي المرافق للحرب. إذ يواصل المجتمع الدولي، إلى جانب أطراف عربية، الضغط على الفصائل الفلسطينية لتنفيذ التزاماتها وفق الخطة الأمريكية، بينما يغيب أي ضغط مماثل على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها.
وقد عكس البيان الأمريكي–الخليجي الأخير هذه المفارقة بوضوح، إذ شدد على نزع سلاح الفصائل وربط إعادة إعمار غزة بترتيبات أمنية وإدارية، من دون أي مطالبة لإسرائيل أو الولايات المتحدة بتنفيذ التزاماتهما الواردة في خطة وقف إطلاق النار وقرار مجلس الأمن. وهذا التجاهل يعكس استمرار نهج دولي يُحمّل الفلسطينيين وحدهم كلفة الالتزامات، مقابل إعفاء إسرائيل من أي مساءلة سياسية أو قانونية.
ويمتد هذا الخلل إلى الموقفين العربي والإسلامي، اللذين لم ينجحا حتى الآن في ممارسة ضغط سياسي فعّال على الولايات المتحدة لإلزام إسرائيل بوقف الحرب ورفع الحصار وضمان الحقوق الفلسطينية، كما لم يتم توظيف الأدوات السياسية والاقتصادية العربية لإعادة التوازن إلى ملف غزة، بما يجعله جزءاً من معادلة إقليمية أوسع بدل أن يبقى ساحة تُفرض عليها الشروط من طرف واحد.
💬 التعليقات (0)