تتجلى في قطاع غزة صور قاسية من الصمود القسري، حيث تحولت الحاجة من دافع للاختراع إلى وجه آخر للقهر اليومي. لم تترك آلة الحرب الإسرائيلية للفلسطينيين سوى العوز والارتداد نحو وسائل عيش بدائية جداً لتأمين الحد الأدنى من البقاء وسط الركام المتراكم في كل زقاق.
في قلب منزل متهالك وآيل للسقوط، تجسد عائلة الفلسطيني أبو مقداد مأساة العطش التي تضرب القطاع. فقد تحولت زجاجة الماء البارد، التي كانت يوماً من أبسط البديهيات، إلى عملة نادرة ومنتج تنافسي شاق يُباع لقاء قروش زهيدة تسد رمق الأطفال الجوعى.
يجلس الأب مع ابنه اليافع وبينهما برميل مياه كبير ومجموعة من الأكياس البلاستيكية وحافظة برودة معبأة بقطع من الثلج. يقوم الفتى بمساعدة والده في غرف الماء ووضعه في الأكياس ثم ربطها بإحكام، في محاولة لتوفير منتج يطلبه النازحون بشدة مع ارتفاع درجات الحرارة.
تفتقر غزة اليوم إلى المولدات الكهربائية والوقود، مما جعل الحصول على شربة ماء باردة أمنية بعيدة المنال للكثيرين. هذه العملية الروتينية التي يقوم بها أبو مقداد ليست مجرد عمل تجاري، بل هي معركة يومية لتوفير ثمن الطعام لعائلته التي تعيش تحت سقف مهدد بالانهيار.
يقول الأب بنبرة يملؤها الانكسار إن حياته ارتبطت كلياً بما يبيعه خلال النهار، فإذا نجح في تسويق أكياس الماء استطاع إطعام أبنائه، وإلا فسيبيتون ليلهم جياعاً. ويضيف أن الحصول على المياه والثلج بحد ذاته رحلة شاقة تتطلب البحث الطويل في مدينة أطفأت الحرب أنوارها.
واقع الحال في غزة يشير إلى أن معدل استهلاك الفرد من المياه انخفض لمستويات كارثية تتراوح بين 5 إلى 10 لترات فقط. وتؤكد مصادر ميدانية أن أزمة العطش تفاقمت بشكل غير مسبوق قبل صيف هذا العام، مع تعطل شبه كامل لمنظومات الإمداد والصيانة الأساسية.
💬 التعليقات (0)