لو تأملت ما يدور في اجتماعات مجالس الإدارة هذه الأيام، ستجد أن الذكاء الاصطناعي حاضر على كل طاولة وفي كل نقاش. الجميع متحمس، والجميع يتحدث عن الفرص الكبيرة؛ إنتاجية أعلى، كفاءة أفضل، تجربة عملاء مختلفة، ونماذج أعمال لم نتخيلها من قبل. لكن إذا نظرت إلى ما يحدث فعلاً داخل هذه المؤسسات، ستجد مفارقة غريبة؛ كثير من هذه المشاريع يبدأ بضجة كبيرة ثم يختفي بهدوء، وبعضها لا يخرج أصلاً من مرحلة التجربة.
السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا؟
الإجابة المعتادة تشير إلى التمويل أو التكنولوجيا أو البنية التحتية. لكن من يعمل في هذا المجال عن قرب يعرف أن المشكلة الحقيقية في مكان آخر تماماً. الذكاء الاصطناعي في معظم الحالات لا يفشل بسبب التقنية، بل يفشل لأن المؤسسة نفسها لم تكن جاهزة له.
الإدارة العليا حين تضع استراتيجية الذكاء الاصطناعي، تفكر بمنطق الصورة الكبرى؛ حصة سوقية، ميزة تنافسية، عوائد مستقبلية. وهذا طبيعي ومطلوب. لكن المشكلة تبدأ حين تنزل هذه الاستراتيجية من غرفة الاجتماعات إلى أرض الواقع. هناك تنتظر تحديات لم يفكر فيها أحد أثناء رسم الخطط؛ بيانات مشتتة وغير منظمة، إجراءات عمل متجذرة يصعب تغييرها، ضغوط يومية لا تتوقف، وفرق تحتاج إلى تدريب وتوجيه ووقت.
ومن يقف في منتصف هذه المعادلة؟ المدير الوسيط. هذا الشخص هو المسؤول عن تحويل الرؤية إلى نتائج، وعن إبقاء العمل يسير في الوقت الذي يُفترض فيه أن يقود التغيير. وهو في الغالب الأكثر تأثيراً في نجاح أي مشروع، والأقل إشراكاً في تصميمه.
المؤسسات التي تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كمشروع تقني فقط تحصل عادةً على نتائج محدودة. أما التي تدرك أنها أمام تحول مؤسسي حقيقي، فهي التي تحصد القيمة الفعلية منه. التحول لا يبدأ بشراء منصة جديدة أو اختيار النموذج الأحدث، بل يبدأ بسؤال أصعب وأهم: هل نحن جاهزون لهذا؟ وماذا نريد منه تحديداً؟
💬 التعليقات (0)