حين توقف دوي القصف على ضفتي الخليج العربي، لم تتوقف الأسئلة الوجودية التي أثارتها الحرب على إيران، وبعد الهدنة التي بدأت منذ أيام يقف الخليج أمام مرآة جيوسياسية تكشف عن اعتلالات في نموذج أمني امتد نحو 4 عقود، ويقوم على مظلة أمريكية أثبتت الأحداث الأخيرة أنها لم تعد صالحة لمستقبل المنطقة.
حيث خلفت الحرب التي اشتعلت شرارتها في 28 فبراير/شباط 2026، حين شنت إسرائيل والولايات المتحدة ضربات مركزة على العمق الإيراني تداعيات كارثية متعددة الأوجه: خسائر اقتصادية خليجية تجاوزت 700 مليار دولار، وضربات استهدفت مطارات وبنية تحتية مدنية لا صلة لها بأي عمل عسكري، فضلا عن هدنة لا هي سلام مستقر ولا هي وقف إطلاق نار تقوم عليه مفاوضات بناءة.
وقد كشف هذا المشهد عن قناعة مشتركة تتشكل في أروقة العواصم الخليجية، إذ أصبح النموذج القائم منذ حرب الخليج الثانية عام 1991 غير قادر على حماية أمن المنطقة في عالم باتت قواعده تتغير بسرعة الصواريخ وازدحام الطائرات المسيرة حول بنك أهداف يضرب اقتصادات العالم في عمق. ومن هذا الوعي تتبلور حاليا رغبة خليجية في صياغة إطار أمني جديد، لا يتعامل مع الأمن بوصفه "خدمة تُشترى، بل يُعيد تعريفه على أسس الشراكة الإقليمية الحقيقية مع دول الجوار، بما فيها إيران ذاتها".
ويرصد هذا التقرير -المستند إلى تحليلات خبراء ومحللين وأكاديميين من الخليج وإيران والولايات المتحدة، في مقابلات حصرية مع الجزيرة نت- أبعاد هذا التحول وعقباته ومآلاته، ويكشف عن أن المنطقة أقرب اليوم إلى إدارة الخلاف مع إيران منها إلى إنهائه، وأن الطريق إلى أي بنية أمنية مستدامة لا يمكن أن يتجاوز الإجابة عن أسئلة مؤجلة من قبيل: ما الذي تريده إيران حقا؟ وما الذي يقبل به الخليج؟ وكيف ستتعامل واشنطن مع عالم تحول فيه الأمن إلى سلعة؟
قامت دول الخليج على ركيزتين متلازمتين: الاستقرار الأمني الذي يتيح تدفق النفط، والعوائد المالية التي تُغذي نموذجا تنمويا خدميا لم يتوقف عن التمدد، وحرصت هذه الدول على صون الركيزتين بأدوات متعددة، مثل:
غير أن الباحث العُماني في الشؤون الإستراتيجية الدكتور عبد الله الغيلاني يرى أن كل هذه الأدوات بقيت قاصرة، إذ جاءت الحرب الأخيرة لتكشف عن "حالة الاعتلال الأمني والهشاشة الإستراتيجية" التي تعيشها المنطقة.
💬 التعليقات (0)