أمد/ منذ نهاية الحرب الباردة، تمتعت الولايات المتحدة بموقع استثنائي داخل النظام الدولي. لم يكن هذا الموقع قائماً على التفوق العسكري وحده بل السيطرة على البنية التحتية للاقتصاد العالمي نفسه والدولار تحول إلى عملة النظام المالي الدولي وأصبحت المؤسسات المالية وشبكات المدفوعات وسلاسل التجارة العالمية جزءاً من منظومة نفوذ أمريكية واسعة سمحت لواشنطن بممارسة القوة دون الحاجة إلى استخدام الجيوش في كل مرة.
استراتيجية الضغط الأقصى التي تبنتها الولايات المتحدة ضد إيران لم تكن مجرد سياسة فرض عقوبات تقليدية بل كانت مشروعاً استراتيجياً متكاملاً سعى إلى إعادة تشكيل سلوك دولة وإعادة تعريف ميزان القوة في إقليم شديد الحساسية حيث راهنت واشنطن على أن الجمع بين الخنق الاقتصادي والعزلة الدبلوماسية والتهديد العسكري كفيل بإحداث تحول جذري في بنية القرار الإيراني ودفع طهران إلى تقديم تنازلات جوهرية تمس اعمق خياراتها السيادية غير أن ما حدث على امتداد السنوات اللاحقة كشف عن فجوة عميقة بين التصور النظري لصانع القرار الأمريكي وبين تعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الإيراني بل وبين التحولات الأوسع التي يشهدها النظام الدولي نفسه
اللافت انه مع تراكم النتائج الفعلية لهذه السياسة لم يعد السؤال محصوراً في مدى قدرة العقوبات على إضعاف إيران بل تحول إلى سؤال أعمق يتعلق بحدود القوة الأمريكية ذاتها في بيئة دولية تتجه تدريجياً نحو التعددية القطبية الأمريكية دفعت إلى إعادة إنتاج منظومات الصمود داخل إيران وفرضت في الوقت نفسه على قوى دولية وإقليمية إلى إعادة حساباتها إزاء جدوى الانخراط في سياسات العزل الاقتصادي
ضمن هذا السياق المتدحرج لم تعد المواجهة تدور حول أداة ضغط بحد ذاتها بل تحول الى اختبار شامل حول قدرة العقوبات بوصفها أداة مركزية في السياسة الخارجية الأمريكية في عالم باتت فيه شبكات الاقتصاد والطاقة والتحالفات أكثر تشابكاً وتعقيداً من أن تُحسم عبر أدوات الإكراه التقليدية وحدها
واقعيا لم تنجح استراتيجية الضغط الأقصى التي تبنتها الولايات المتحدة ضد إيران في تحقيق أهدافها المعلنة رغم ما رافقها من عقوبات قاسية وضغوط دبلوماسية وتهديدات عسكرية مباشرة فقد قامت هذه الاستراتيجية على تصور بسيط مفاده أن تكثيف الحصار الاقتصادي وعزل إيران دوليا سيؤدي إلى إضعاف بنيتها الداخلية ودفعها إلى تغيير سلوكها السياسي والاستراتيجي غير أن مجريات السنوات الأخيرة كشفت أن هذا التصور لم يكن دقيقا وأنه أغفل طبيعة الدولة الإيرانية وقدرتها على التكيف مع الأزمات وإعادة إنتاج أدوات الصمود
المشكلة المتكررة لم تكن في شدة العقوبات بقدر ما كانت في قراءة واشنطن لطبيعة المجتمع الإيراني ونظامه السياسي فقد افترض صانع القرار الأمريكي أن الضغوط الاقتصادية ستقود إلى انهيار تدريجي في التماسك الداخلي لكن النتيجة جاءت معاكسة إذ نشأت داخل إيران منظومة اقتصادية بديلة اعتمدت على التكيف مع العقوبات وتوسيع قنوات التجارة غير التقليدية وتعزيز الاعتماد على الذات الأمر الذي خفف من أثر الحصار وحوله إلى عامل إعادة تشكيل اقتصادي بدل أن يكون أداة إسقاط سياسي
💬 التعليقات (0)