"أنا لا أخاف أن أخسر البيت... أخاف أن أخسر كل ما يرتبط بالبيت."
بهذه الجملة، اختصر صديق مقدسي معاناته في كلمات قليلة، لكنها ثقيلة كحجر القدس نفسه. عندها أدركت أننا لسنا أمام أزمة إسكان بالمعنى التقليدي. ليست القضية متراً مربعاً، ولا فارق إيجار، ولا حتى صراعاً مع ارتفاع الأسعار. القضية في القدس هي: معركة وجود يخوضها الإنسان يومياً، ليس ليؤمّن سقفاً، بل ليثبت أنه لا يزال "هنا".
في الحلقتين الماضيتين، كنا نرسم ملامح هذه المعركة: رأينا مدينة صارت أغلى من أبنائها، حيث تحول حلم الزواج وتكوين الأسرة إلى معادلة حسابية مستحيلة. ورأينا كيف غيّر جدار الفصل خريطة القدس، دافعاً بالآلاف نحو ضواحيها البعيدة ككفر عقب وشعفاط، ليس طمعاً في حياة أفضل، بل استسلاماً لمنطق قاسٍ يجعل الهروب من الإيجار الباهظ ثمناً للانفصال عن جذور المدينة.
أما اليوم، فنخلع عن القضية ثوب الأرقام الجافة، لنقترب من نبضها الحقيقي: الإنسان المقدسي.
في معظم مدن العالم، المنزل هو مكان للراحة والاستقرار. أما في القدس، فالبيت هو "مركز الحياة" بامتياز لإنه ليس جدراناً وأسقفاً، بل هو عنوان رسمي يثبت وجودك ومجموعة فواتير كهرباء ومياه وعقد ايجار ورانونا تمنحك شرعية البقاء وسجل مدرسي لأولادك، وعنوان عيادة صحية، وحساب بنكي ورقم هاتف ارضي .
لهذا السبب، حين تفكر عائلة مقدسية بالانتقال من حي إلى آخر، أو مغادرة المدينة إلى ضاحية قريبة بحثاً عن سكن أرخص، فإن القرار لا يُحسب بفارق الثمن فقط. إنه يُحسب بثمنٍ أغلى: فقدان الاستقرار اليومي، وتهديد ارتباطك القانوني والاجتماعي بمدينتك. إنه رهان تخسره فيه الأسر جزءاً من هويتها، مقابل سقفٍ يقيها المطر.
💬 التعليقات (0)