يتخذ الغناء موقعاً متقدماً في مواجهة واقع الحرب القاسي بقطاع غزة، بوصفه فعلاً ثقافياً وإنسانياً يعيد ترتيب علاقة الإنسان بمحيطه المنهك. وداخل خيام النزوح المكتظة ومراكز الإيواء، تتشكل مساحات جديدة للتعبير والتدريب، حيث يواصل الأطفال تعلم الموسيقى رغم الحصار والخوف.
يبتكر المدربون أدواتهم الفنية من المواد المتاحة في البيئة المحيطة، فيما يحمل الفنانون أصواتهم إلى المخيمات والمستشفيات لترسيخ حضور الفن في حياة الناس. وتبرز هذه العودة تساؤلاً إنسانياً حول كيفية إيجاد الأطفال والشباب طريقهم للغناء في وقت تحاصرهم فيه الذاكرة المثقلة بالخسارات المتراكمة.
في مخيم جباليا، يقف محمد عبد الكريم أبو مطر وحيداً بعدما كان جزءاً من فرقة خماسية للمديح النبوي، فقد استشهد أشقاؤه الثلاثة وصديقه المقرب في مجزرة وقعت في نوفمبر 2023. واليوم، يبدأ محمد مقاطعه الغنائية بصوت ينتظر من يكمله، محولاً المديح إلى مساحة لتفريغ وجع الناجين وحفظ ذكرى الراحلين.
يقول محمد إن المديح كان وسيلته لتخفيف الهموم مع إخوته قبل الحرب، لكن الهموم اليوم صارت كالجبال بعد رحيلهم جميعاً. ورغم ذلك، يصر على مواصلة الغناء في المحافل، معتبراً أن صوته يحمل وجعه الشخصي ووجع المخيم الذي فقد الكثير من معالمه وأهله.
وفي خيمة مدرسة ذكور الشاطئ، تبرز قصة الطفلة ملك التلمس ذات الخمسة عشر عاماً، والتي فقدت عائلتها بالكامل في غارة إسرائيلية. ملك التي نجت مع أختها الصغرى بيان، وجدت في آلة الغيتار ممرًا للتعافي من صدمة الخبر الذي تلقته وهي على سرير المستشفى.
تصف ملك الغيتار بأنه كان مواساتها الوحيدة في أكثر أيامها إيلاماً، حيث تعزف مواجعها لتخفف من ثقل المسؤولية التي ألقيت على عاتقها برعاية أختها. وتظهر ملامح الحزن على وجهها بوضوح، لكن الموسيقى تمنحها وقتاً قصيراً للتنفس والعودة إلى ذاتها بعيداً عن ضجيج الحرب.
💬 التعليقات (0)