أمد/ عندما اجتمع قادة دول العالم النامي في منتصف القرن الماضي لتأسيس حركة عدم الانحياز، لم تكن الفكرة تعبيراً عن الحياد أو الانعزال عن الصراعات الدولية، بل كانت محاولة لصياغة مسار مستقل يتيح للدول حديثة الاستقلال حماية مصالحها الوطنية بعيداً عن ضغوط الاستقطاب الحاد الذي فرضته الحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي. وفي قلب تلك التجربة وقفت مصر، بقيادة الرئيس جمال عبد الناصر، باعتبارها أحد أهم المؤسسين للحركة وأحد أبرز المدافعين عن حق الدول في امتلاك قرارها الوطني المستقل.
ورغم مرور عقود طويلة على انتهاء الحرب الباردة، فإن جوهر الفكرة لم يفقد أهميته. فالعالم اليوم يشهد بدوره مرحلة انتقالية معقدة تتراجع فيها الهيمنة المنفردة لصالح نظام دولي أكثر تعددية وتشابكاً، تتنافس داخله القوى الكبرى على النفوذ والأسواق والتكنولوجيا وممرات التجارة والطاقة. وفي مثل هذه البيئة يصبح الحفاظ على استقلال القرار الوطني وتوسيع هامش الحركة الخارجية ضرورة استراتيجية لا ترفاً سياسياً.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم أحد أبرز ملامح السياسة الخارجية المصرية خلال عهد دولة 30 يونيو. فالقاهرة لم تتبنَّ سياسة الحياد السلبي، كما لم تنخرط في سياسات المحاور والاستقطاب، وإنما سعت إلى بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية الفاعلة، انطلاقاً من قاعدة واضحة مفادها أن المصالح الوطنية المصرية يجب أن تظل البوصلة الحاكمة لأي تحرك خارجي.
لقد تغيرت طبيعة العالم كثيراً مقارنة بعصر عدم الانحياز الأول. فلم يعد المشهد الدولي منقسماً بين قطبين متواجهين بصورة مباشرة، بل أصبح أكثر تعقيداً، حيث تتداخل المنافسة الاقتصادية مع الاعتبارات الأمنية والتكنولوجية والجيوسياسية. ولذلك فإن النسخة المصرية المعاصرة من عدم الانحياز لا تقوم على الوقوف على مسافة واحدة من الجميع بقدر ما تقوم على الانفتاح على الجميع دون الارتهان لأي طرف.
في هذا السياق، حافظت مصر على شراكتها الاستراتيجية الممتدة مع الولايات المتحدة، واستمرت في تطوير التعاون العسكري والأمني والاقتصادي معها باعتبارها إحدى القوى الأكثر تأثيراً في النظام الدولي. وفي الوقت نفسه، عززت علاقاتها مع روسيا في مجالات متعددة، كما توسعت بصورة ملحوظة في التعاون الاقتصادي والاستثماري مع الصين التي أصبحت أحد أهم الشركاء الاقتصاديين لمصر خلال السنوات الأخيرة.
ولم تنظر القاهرة إلى هذه العلاقات باعتبارها خيارات متناقضة أو متصارعة، بل باعتبارها دوائر متكاملة يمكن توظيفها لخدمة أهداف التنمية وتعزيز القدرات الوطنية ودعم الاستقرار الإقليمي. ولذلك حرصت السياسة الخارجية المصرية على تجنب منطق الاختيار الإجباري بين الشركاء الدوليين، ورفضت فكرة أن تكون علاقاتها مع طرف معين على حساب علاقتها بطرف آخر.
💬 التعليقات (0)