تخرج من تحت ركام المنازل المدمرة في قطاع غزة هواتف محمولة محطمة أو عالقة خلف كلمات مرور، تحمل في ذاكرتها الرقمية آخر أنفاس الشهداء وصورهم ورسائلهم التي لم تكتمل. بالنسبة للعائلات المكلومة، لم تعد هذه الأجهزة مجرد أدوات اتصال، بل تحولت إلى نوافذ أخيرة تطل على وجوه أحبتهم الذين رحلوا، ومفاتيح ضرورية لاسترداد حقوق مالية يحتاجها الأطفال الأيتام.
تروي صبحية شراب قصة هاتف زوجها الصحفي عبد الرحمن العبادلة، الذي استشهد في مايو 2025 أثناء تأدية واجبه المهني. تسلمت الزوجة جهازاً من نوع 'ريدمي 9' محطم الشاشة ومعطوب الهيكل، لكنه كان يحمل أثقل أثر مادي باقٍ من زوجها، مما دفعها لخوض رحلة بحث مضنية عن وسيلة لإعادة تشغيله رغم الحزن الذي كان يثقل كاهلها.
واجهت صبحية عقبة اقتصادية قاسية، حيث ارتفعت تكاليف صيانة الهواتف في القطاع بشكل جنوني نتيجة شح القطع والظروف الأمنية. وبعد انتظار دام ستة أشهر، تمكنت من إصلاح الهاتف بمبلغ 1200 شيكل، وهو مبلغ باهظ يعادل ثمن هاتف جديد، لكنه كان بالنسبة لها ثمناً زهيداً مقابل استعادة مقاطع فيديو وثقها زوجها حتى لحظة استهدافه.
في سياق مشابه، يعيش المواطن محمد صباح حالة من الفقد المضاعف بعد استشهاد زوجته وبناته الخمس دفعة واحدة. يحمل صباح خمسة هواتف تخص عائلته الراحلة، ويتنقل بها بين محال الصيانة في مناطق غزة والوسطى والجنوب، طامعاً في استرجاع صورة واحدة أو تسجيل صوتي يخفف عنه وطأة الوحدة القاتلة.
تمكن صباح بعد محاولات مضنية استمرت أشهراً من الوصول إلى رمز دخول هاتف واحد فقط، بينما بقيت الأجهزة الأخرى مغلقة ومستعصية على الفنيين. وقد استعان بالأقارب لتخمين كلمات المرور عبر تذكر تواريخ الميلاد والأرقام المفضلة لبناته، في محاولة يائسة لكسر العزلة الرقمية التي تفرضها الأجهزة المغلقة.
أما محمد صبيح، فينظر إلى هاتف شقيقه الشهيد بوصفه 'محفظة ذكريات ومال' في آن واحد، إذ يحتوي الجهاز على بيانات الحسابات البنكية والمحافظ الإلكترونية الضرورية لإعالة أطفال شقيقه. وتصطدم محاولاته بإجراءات قانونية وتقنية معقدة تتطلب أوراقاً رسمية وتوثيقات من جهات مختصة في رام الله، بتكلفة قد تلتهم نصف المدخرات الموجودة.
💬 التعليقات (0)