تعلمنا الحروب دروساً كثيرة تحمل في ثناياها الكثير من العبر، لمن يريد أن يعتبر. ولو أن السياسيين يستخلصون العبر من ويلات الحروب السابقة، لأحجموا عن توريط شعوبهم ودولهم بها، ولكان عددها على الأقل قد تقلص في عالمنا عاماً بعد آخر، هذا إن لم يتم إسدال الستار كلياً على ممارستها. والحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران ليست استثناءً، بل حملت معها الكثير من الدروس، ولعل أهمها ما هو متعلِّق بـ"حدود القوة".في الفكر السياسي الحديث، ترتبط الواقعية السياسية مع طروحات رجل السياسة الإيطالي نيكولو ميكافيلي، الواردة في كتابه "الأمير"، الذي ضمّن فيه نصائحه لأمير عائلة ميديشي بخصوص شؤون الحكم. ما ميّز أفكار ميكافيلي بهذا الخصوص أنها جاءت مباشِرة، وواضحة، وصريحة: الهدف الأسمى هو المحافظة على بقاء الدولة، وعلى الأمير أن يقوم بكل ما يلزم لتحقيق ذلك، دون رادعٍ أيّاً كان؛ فالسياسة والأخلاق لا يلتقيان، والغاية التي هي تحقيق مصلحة بقاء الدولة، تبرر الوسيلة لضمان هذا البقاء.
إذا ما غابت القيود الأخلاقية عن الفعل السياسي، فما الذي يقّيد هذا الفعل بين الدول، ويرسم معالم الحدود فيما بينها؟ إن العامل المحدد للسياسة بين الدول، في جوهر النظرية الواقعية، هو القوة؛ مقدار ما تراكمه الدولة من قوة مقابل غيرها من الدول. فوفقاً لما تمتلكه من قوة، وهي القوة العسكرية بشكل أساسي، والتي أصبحت تُكنى بـ"القوة الصلبة"، يتحدد موقع ومكانة الدولة بين الدول.
استقرّت النظرية الواقعية للعلاقات الدولية عل أساس أن "القوة الصلبة" هي الأساس الذي يمنح الدولة مكانتها بين الدول. فكلما كانت الدولة أقوى، استطاعت أن تحقق مصلحتها وتملي إرادتها على الدول الأضعف، أما إن كانت الدولة ضعيفة، فعليها تقبُّل أن تُملى عليها إرادة الدول الأقوى منها.لذلك، من أجل الحفاظ على وجود واستقلالية الدولة، على صاحب الشأن السياسي أن يجعل من مراكمة قوتها شاغله الأساس. على هذا الأساس، ارتأت النظرية الواقعية أن العالم يتشكّل من أقاليم جغرافية، وأن النظام الدولي يتشكّل تراتبياً من الدول التي تزاحم بعضها البعض على الهيمنة على الإقليم الموجودة فيه.
فمن يتصدر لائحة المزاحمة يدخل في عداد القوى الإقليمية، والتي يتحول بعضها بوساطة فارق القوة إلى قوى كبرى، وإن استطاعت أي منها تحقيق الهيمنة الكاملة على إقليمها، فإن نفوذها ومكانتها تتعداه لتصبح قوة عظمى. وبالنتيجة، تتحكم العلاقة الناشئة بين الدول الكبرى، المتصارعة فيما بينها على تحقيق الهيمنة الإقليمية، ثم العالمية، بسياقات النظام الدولي، وبالقواعد التي تنظُم مساراته.لذلك يلاحَظ أنه منذ نشأة الدولة، كانت مراكمة "القوة الصلبة" هدفاً أساسياً للدول، والتي استمرت عبر مسار التاريخ في سباقٍ محمومٍ مع بعضها على التسلح. هذا كان هدف إسبرطة العسكريتارية لتحقيق النصر على غريمتها أثينا الديمقراطية، وصولاً إلى مسعى كلٍ من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة لتحقيق السبق على بعضهما البعض في المجال العسكري، حتى وصل أمر التنافس بينهما ليس فقط إلى مجال امتلاك السلاح النووي، بل تعداه إلى عدد الرؤوس النووية التي تمتلكها كل واحدة من الدولتين. أما الصراع المحتدم منذ عقود في إقليمنا، خاصة بين إسرائيل وإيران، اللتين ما فتئتا تراكمان قوتهما العسكرية، فهو صراع بينهما لاستثناء إحداهما الأخرى من تحصيل مكانة الدولة الإقليمية المهيمنة.
مع أن الحرب التي شنتها إسرائيل وأميركا على إيران مؤخراً تقع في هذا السياق، إلا أن نتيجتها التي انتهت بعدم تحقيقها للأهداف التي دعت إليها، وبالتحديد إسقاط النظام الإيراني وإنهاء المشروع الإيراني بتحويل إيران إلى قوة إقليمية راسخة، يضع الأساس الذي بُنيت عليه النظرية الواقعية، وهو تعظيم "القوة الصلبة" موضع تساؤل، بل إنه يشير إلى أن لهذه القوة، مهما تعاظمت، حدوداً تكتشف الدول أن تخطيها يجعل من الركون على تعظيم استخدام هذه القوة قليلاً، إن لم يكن معدوم الفائدة. أما النتيجة الناجمة عن ذلك فهي أن تحقيق الدول لمكانة متقدمة في النظام الدولي التراتبي يتخطى، ولا يستثني، مراكمة "القوة الصلبة"، إلى تحقيق التقدم في مجالات أخرى، علمية – معرفية، واقتصادية، وتكنولوجية، وثقافية، وذلك ضمن رؤية عامة ذات إشعاع تفاؤلي بنقل العالم إلى حالة أفضل. إن اعتماد إسبرطة على العسكرة فقط، وفوزها بسبب ذلك على أثينا، لم يدم، بل انتهى بانكسارها وزوالها كقوة مهيمنة بعد ما ينوف بقليل على ثلاثة عقود، في حين استمر إرث أثينا الفكري باقياً حتى الآن.
وبالعودة إلى محدودية أثر "القوة الصلبة"، فإن الحرب الإسرائيلية – الأميركية على إيران تنبّهنا لضرورة تفكيك العلاقة والتفريق بين تأثير وأثر ثلاثة دوافع لتصرفات الدول، هي مختلفة عن بعضها البعض، مع أنها تبدو للوهلة الأولى مترابطة، بل وحتى متلاحمة، وهي الرغبة، والقدرة، والاستطاعة. فليس كل ما ترغب به الدولة تستطيع تحقيقه، وحتى وإن امتلكت القدرة المادية لتحقيق رغبتها، إذ من الممكن أن تحول عوامل كثيرة بينها وبين استطاعتها تحقيق ما ترغب به، وما تُمكّنها قدرتها المادية على تحقيقه.
💬 التعليقات (0)