لم تقتصر تداعيات الحرب المستمرة في قطاع غزة على تدمير البنية التحتية والمباني السكنية، بل امتدت لتضرب بعمق شبكة الأمان المالي المتمثلة في قطاع التأمين. يواجه هذا القطاع اليوم حصاراً مزدوجاً بين دمار مادي غير مسبوق أتى على آلاف المنشآت والمصانع، وبين خطر الإفلاس الوشيك الذي يهدد بتصفية الشركات العاملة نتيجة الخسائر الفلكية.
تبدأ فصول المأساة من الواقع الميداني حيث تحولت استثمارات صناعية كبرى بنيت على مدار عقود إلى ركام في لحظات معدودة. ويروي إياد شراب، المدير التنفيذي لشركة شراب للتجارة وصناعة الزجاج، حجم الصدمة التي تعرضت لها شركته التي كانت تعد أحد أعمدة الاقتصاد المحلي قبل استهدافها المباشر.
في ديسمبر من العام 2023، طالت الغارات الجوية مصنع الزجاج التابع للشركة، مما أدى إلى تدمير كامل للمبنى واندلاع حرائق التهمت الماكينات الحديثة والمخازن. هذه الضربة لم تكن مجرد خسارة مادية، بل سحقاً كاملاً لتاريخ صناعي طويل وأصول مالية كانت تشكل عصب الشركة وقدرتها على الاستمرار.
ويعبر شراب عن حالة الإحباط السائدة بين التجار، مؤكداً أن الحرب دمرت الأصول والماكينات بشكل شامل، مما خلق فجوة ثقة عميقة. ويرى أن ضعف الدخل الحاد والخوف من تجدد الدمار جعلا من فكرة التأمين ترفاً لا يطيقه أحد، خاصة مع إدراك الجميع أن البوليصات التقليدية لا تغطي أضرار الحروب.
تتجاوز أزمة الثقة بنود التعاقد لتصل إلى غياب المرجعية القانونية التي تحمي حقوق المتضررين في ظل الظروف الكارثية. ويشير مراقبون إلى أن غياب قانون واضح وملزم يجبر الأطراف على التعويض في حالات الكوارث الكبرى ساهم في تعميق الفجوة بين الشركات وجمهور المؤمنين لديهم.
من الناحية الاقتصادية، كان قطاع التأمين يشكل ركيزة أساسية في النظام المالي غير المصرفي بفلسطين، حيث ساهم بنحو 2.3% من الناتج المحلي الإجمالي. وأفادت مصادر اقتصادية بأن القطاع شهد انتعاشاً ملحوظاً قبل الحرب، حيث وصلت أقساط التأمين المكتتبة إلى نحو 400 مليون دولار، وهو رقم يعكس حجم الثقة السابق.
💬 التعليقات (0)