في وطنٍ ينهض كل صباح على وقع التحديات، ويكتب أبناؤه أحلامهم على دفاتر الصبر والأمل، يقف أكثر من ثمانين ألف طالب وطالبة فلسطينية على أعتاب واحدة من أهم المحطات في حياتهم التعليمية؛ امتحان الثانوية العامة، ذلك الامتحان الذي لا يمثل مجرد أوراق وأسئلة ودرجات، بل يختصر سنوات طويلة من السهر والتعب والاجتهاد، ويحمل بين سطوره أحلام أسر كاملة انتظرت هذه اللحظة بشغف وقلق وترقب.
وفي خضم هذا المشهد الإنساني والتربوي، يبرز الحديث عن التحول الرقمي في امتحانات الثانوية العامة، بوصفه خطوة نحو المستقبل ومواكبة للتطور العالمي. ونحن، بلا تردد، مع التطور والتحديث والاستفادة من التكنولوجيا، لأن الأمم لا تتقدم إلا بالعلم والمعرفة والتجديد. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل كل تطوير يُعدّ ناجحاً بمجرد الإعلان عنه؟ وهل يكفي أن تكون الفكرة صحيحة حتى يكون توقيت تنفيذها صحيحاً أيضاً؟
إن التحول الرقمي ليس جهازاً جديداً يوضع على الطاولة، ولا شاشة تحل محل الورقة، ولا منصة إلكترونية تُطلق قبل موعد الامتحان. التحول الرقمي الحقيقي هو مشروع وطني متكامل يبدأ بالتخطيط وينتهي ببناء الثقة، ويمر عبر مراحل طويلة من الإعداد والتجريب والتقييم والتطوير. إنه ثقافة وممارسة ومنظومة متكاملة، لا قراراً مفاجئاً يُلقى على كاهل الطلبة في أكثر مراحلهم حساسية.
لقد جاء الحديث عن تطبيق الامتحانات الإلكترونية بالنسبة لكثير من الطلبة وأولياء الأمور والمعلمين بصورة مفاجئة، وفي توقيت يفتقر إلى التهيئة النفسية والتقنية الكافية. والمشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في عنصر المفاجأة الذي يزرع القلق في نفوس الطلبة، ويحوّل الامتحان من اختبار للمعرفة إلى اختبار للأعصاب والخوف من المجهول.
وفي فلسطين تحديداً، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. فطلبتنا لا يعيشون ظروفاً طبيعية يمكن مقارنتها بدول تنعم بالاستقرار الكامل. إنهم أبناء واقع استثنائي، يدرسون أحياناً تحت ضغوط نفسية هائلة، ويواجهون تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية متراكمة، ويعيشون آثار العدوان والحواجز والإغلاقات والانقطاعات المتكررة التي ألقت بظلالها على العملية التعليمية برمتها. ولذلك فإن أي قرار تربوي يتعلق بمستقبلهم يجب أن يُدرس بعناية مضاعفة، وأن يُبنى على فهم عميق لواقعهم الحقيقي لا على افتراضات نظرية.
إن امتحان الثانوية العامة ليس ساحة مناسبة للتجريب. فالتجريب التربوي الرشيد يبدأ بعينات محدودة، وفي بيئات مراقبة، وعلى مراحل زمنية متدرجة، بحيث يتم اكتشاف نقاط القوة والضعف ومعالجة المشكلات قبل تعميم التجربة. أما أن تكون الامتحانات المصيرية نفسها ميداناً لاختبار الأنظمة الجديدة، فذلك يضع الطلبة أمام مخاطر لا علاقة لها بمستواهم الأكاديمي أو قدراتهم العلمية.
💬 التعليقات (0)