سيبقى السؤال الأكثر حضورًا بعد هذه الحرب الكبرى التي بدأت شرارتها في السابع من أكتوبر 2023 : من الذي انتصر؟ وهل يمكن أصلًا الحديث عن منتصر حقيقي في حربٍ تجاوزت حدود فلسطين وإسرائيل، ثم تمددت إلى الإقليم بأسره، قبل أن تنتهي إلى مواجهة مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، لتكتسب أبعادًا دولية تتجاوز الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط؟
في الحروب التقليدية كان المنتصر يُعرف من خلال السيطرة على الأرض أو إسقاط الأنظمة أو فرض الشروط السياسية. أما في حروب هذا العصر، فإن حسابات الربح والخسارة أصبحت أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل الأبعاد العسكرية والسياسية والاقتصادية والإعلامية والنفسية، وتصبح النتائج النهائية رهينة بما تفرزه السنوات اللاحقة أكثر مما تفرزه ميادين القتال نفسها.
يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أدرك، بعد انخراط بلاده المباشر في المواجهة مع إيران، أن واشنطن قد انجرت إلى مسار كان يخدم بالدرجة الأولى الحسابات الاستراتيجية لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وتحالفه اليميني المتطرف. فإسرائيل كانت تدرك أن قدرتها على خوض مواجهة طويلة مع إيران محدودة، وأن كسر الإرادة الإيرانية عسكريًا أمر يصعب تحقيقه دون تدخل أمريكي مباشر وحاسم.
في المقابل، أظهرت إيران قدرًا كبيرًا من الصبر الاستراتيجي والمهارة السياسية. فالدولة التي تمتلك إرثًا حضاريًا ضاربًا في التاريخ، وتستند إلى خبرة طويلة في إدارة الصراعات والتفاوض، استطاعت أن توظف أوراق القوة التي تمتلكها بطريقة جعلت خصومها يعيدون حساباتهم. وقد كشفت المواجهات العسكرية أن إيران لا تزال قادرة على الرد وإيقاع الأذى بخصومها، وأن قدرتها على الصمود أكبر مما كانت تتوقعه بعض الدوائر الغربية والإسرائيلية.
ومن هنا جاء التفاهم الذي أفضى إلى وقف التصعيد بين واشنطن وطهران، ليشكل ضربة سياسية قاسية لنتنياهو الذي كان يأمل في استدراج الولايات المتحدة إلى مواجهة أوسع وأكثر استدامة. فبالنسبة له، كانت الحرب تمثل فرصة لإعادة رسم التوازنات الإقليمية وإطالة عمره السياسي في الداخل الإسرائيلي. أما انتهاء المواجهة دون تحقيق أهدافه الكبرى، فقد أعاد إلى الواجهة أزماته السياسية والقضائية، وأعاد فتح النقاش داخل إسرائيل حول مستقبله واحتمالات خروجه من المشهد السياسي، بل وربما مواجهة مصير قضائي لا يزال يطارده.
أما حركة حماس، فقد دفعت أثمانًا باهظة على المستويين البشري والعمراني. لقد تعرض قطاع غزة لدمار غير مسبوق، وسقط عشرات الآلاف من الضحايا، وتفككت بنى اجتماعية واقتصادية كاملة. ومن هذه الزاوية يصعب الحديث عن انتصار عسكري مباشر للحركة. لكن في المقابل، أعادت الحرب القضية الفلسطينية إلى مركز الاهتمام العالمي بعد سنوات من التهميش، وأعادت طرح سؤال العدالة والحقوق الوطنية الفلسطينية على الأجندة الدولية بصورة غير مسبوقة.
💬 التعليقات (0)