تواجه السلطة الفلسطينية اليوم أزمة مركبة تتجاوز حدود الإشكال الإداري أو السياسي التقليدي، لتصل إلى أزمة أعمق تتعلق بوظيفتها، وحدود صلاحياتها، وطبيعة علاقتها بالمجتمع الفلسطيني وبالإقليم والعالم. نشأت السلطة في سياق انتقالي كان يفترض أن يقود إلى تسوية سياسية شاملة، لكنها وجدت نفسها لاحقًا تعمل داخل بيئة سياسية غير مستقرة، تتداخل فيها الوقائع الميدانية مع الضغوط الإقليمية والدولية، دون أن تتبلور نهاية واضحة لهذا المسار.
تلعب الظروف الموضوعية، من خلال التدخلات الخارجية، دورًا محوريًا في صياغة بيئة العمل السياسي والإداري، سواء عبر المساعدات أو عبر مسارات التسوية أو عبر اشتراطات "الإصلاح". هذه التدخلات لا تأتي دائمًا بصيغة فرض مباشر، لكنها تُقدَّم في إطار دعم الاستقرار أو تعزيز الحوكمة أو تهيئة الظروف لحل سياسي مستقبلي. غير أن الإشكال الأساسي يكمن في أن الاستجابة لهذه الشروط غالبًا ما تتم داخل منطق ضاغط لا يترك هامشًا واسعًا للمراجعة الداخلية أو إعادة تعريف الأولويات الوطنية.
وهنا تظهر معضلة جوهرية؛ فبدل أن تكون الإجراءات الفلسطينية استحقاقات داخلية تشكل جزءًا من استراتيجية فلسطينية مستقلة، كان يجب أن تكون الاستجابة للضغوط الخارجية نتيجةً لها لا سببًا فيها، إلا أنها تتحول في كثير من الأحيان إلى سلسلة من التنازلات المتراكمة التي لا تقود بالضرورة إلى نتيجة سياسية مقابلة، وهو ما يمكن وصفه بـ"مأزق التنازل غير المنتج".
في المقابل، لا يمكن اختزال الأزمة في الظروف الموضوعية وحدها، إذ إن هناك اختلالات داخلية تتعلق بالبنية الإدارية والحوكمة، من بينها تضخم بعض الهياكل الوظيفية، وتداخل الصلاحيات، وضعف آليات المراجعة والمساءلة، بما يجعل الإصلاح مهمة مزدوجة: داخلية وخارجية في آن واحد.
ومن هنا، يصبح أي تصور للحل غير مكتمل إذا لم يجمع بين البعدين الداخلي والخارجي في مقاربة واحدة، تقوم على إعادة بناء الفاعلية المؤسسية بدل الاكتفاء بالاستجابة للضغوط الخارجية. وفي هذا الإطار، يمكن طرح مجموعة من الإجراءات العملية التي تشكل مدخلًا لإعادة التوازن داخل الجهاز الإداري.
في مقدمة هذه الإجراءات يأتي تقليص البطالة المقنعة، ولا سيما في الفئات العليا والمواقع الإدارية المتقدمة، حيث يشكل هذا التوسع عبئًا ماليًا وتنظيميًا لا يتناسب مع حجم الحاجة الفعلية. إن إعادة النظر في هذا التضخم الوظيفي، سواء عبر التقاعد المبكر أو إعادة الهيكلة، يمكن أن يؤدي إلى خفض ملموس في كلفة الرواتب، إذ إن إحالة مجموعة من الموظفين إلى التقاعد، وفق القانون الذي يحدد رواتبهم التقاعدية بنحو 70% من الراتب، تعني أن ما يقارب 30% من إجمالي كتلة رواتب هذه الفئة يمكن توفيره، بما يخفف العبء المالي على الموازنة العامة ويعيد قدرًا من التوازن بين النفقات والاحتياجات التشغيلية.
💬 التعليقات (0)