ما لم تشاهدوه بعد السابع من أكتوبر في قطاع غزة، قد يكون أكثر قسوة ؛ إذ بات الناس يعيشون واحدة من أشد اللحظات الإنسانية وطأة في تاريخ فلسطيني مثقل بالأوجاع منذ 78 عاماً.
من بعيد، ربما يمرّ الناظر سريعاً أمام الشاشة الزرقاء، منبهراً بمشهد يبدو اعتيادياً: افتتاح مطعم، أو متجر، أو صالة أفراح تصدح بالموسيقى لكن تلك المشاهد، مهما بدت مفعمة بالحياة، لا تستطيع أن تعيد الفرح إلى قلب عروس زُفّت وحيدة على عربة يجرّها حمار، لتبدأ حياتها في خيمة لا تشبه بيتاً، وكأنها تنتقل من انتظار إلى فقد، ومن وهن إلى وهن.
السؤال عن حال غزة لم يعد يحتاج إلى تقرير اقتصادي أو مؤشرات معقدة؛ يكفي أن تنظر إلى الوجوه، الفقر لم يعد رقماً بعد أن تجاوز حدود الإحصاءات، بل أصبح أسلوب حياة مفروضاً، والبطالة لم تعد أزمة عابرة، بل وصفاً عاماً لجيل كامل ينتظر شيئاً لا يعرف اسمه.
الخارج من غزة كأنه يولد من جديد، أما الجالس فيها فيفاوض يومه على الحد الأدنى من الحياة؛ بالمناجاة والدعاء: يا ودود يا ودود، رحمتك يا ذا العرش المجيد.
في غزة اليوم، لم يعد أحد يعيش كما كان، لكن الجميع يحاول أن يتمسّك بما تبقى من إنسانيته، وهنا تكمن الحكاية كلها؛ فالأقسى في الحرب ليس الدمار وحده، بل أن تدفع الإنسان لأن يقضي يومه كله باحثاً عن أشياء كانت يوماً تفاصيل عادية: غذاء، دواء، مياه صالحة للشرب، طريق آمن، بيت لا تهزّه الأخبار، غرفة، ووسادة
يا أصحاب السعادة، بعد أن غابت السيادة، لم يبقَ سوى انتظار طويل يحمل اسماً واحداً: الأمل.
💬 التعليقات (0)