بمباراة تونس واليابان، وصل عِداد كأس العالم 1000 مباراة بالتمام والكمال، هذا الرقم وإن بدا مجرد إحصائية جديدة في أرشيف البطولة، إلا أنه مرآة لرحلة طويلة بدأت تقريبا قبل قرن من الزمان.
لم تولد كأس العالم من لحظة احتفال صافية، ولا من حلم رومانسي بريء بأن تجتمع الأمم على اختلافها حول كرة بل وُلدت -في الحقيقة- من توتر طويل وعميق بين لعبة خرجت من مدارس وموانئ بريطانيا ثم أفلتت من يدها، وبين اتحاد دولي شاب يبحث عن شرعيته؛ بين مثالية الهواة التي أقصت أبناء الطبقات العاملة، واحتراف ينمو لم يعد ممكنًا تجاهله؛ بين أوروبا التي تعتقد أن مركز اللعبة في ملاعبها، وأمريكا الجنوبية التي بدأت من خلف المحيط الأطلسي تقديم نسخة مختلفة من كرة قدم، أكثر جمالية واحتفالا بالموهبة.
في مونتيفيديو، عام 1930، لم يكن المشهد يشبه ما ستصير إليه البطولة لاحقا. لم تكن هناك إمبراطوريات تلفزيونية، ولا رعاة عالميون، ولا ملاعب مكتملة في موعدها، ولا مليار إنسان يشاهدون المباراة النهائية. كان هناك 13 فريقا فقط، مدينة بعيدة على شاطئ الأطلسي، ملعب أسمنتي جديد لم يكتمل في الوقت المناسب، وسفن حملت لاعبين عبر البحر كما لو أنهم ذاهبون إلى مغامرة أكثر من ذهابهم إلى حدث سيغير تاريخ الرياضة.
لكن هشاشة البداية لا تقلل من معناها. على العكس؛ تكشفه. فقد كانت كأس العالم، منذ لحظتها الأولى، محاولة لتحويل كرة القدم من شبكة مباريات متناثرة إلى حالة كونية؛ من لعبة تملكها اتحادات وطنية متنافسة إلى مسرح عالمي تتصارع فوقه الأمم على المجد والاعتراف والرمزية، وهذا هو جوهر القراءة التي يقدّمها جوناثان ويلسون في كتابه «المجد والقوة: تاريخ جديد لكأس العالم».
كأس العالم لم تكن منذ البداية مجرد بطولة.. كانت أداة للتمثيل، ومجالًا للنفوذ، ومرآة مبكرة للعلاقة المعقدة بين الرياضة والسياسة والهوية.
قبل 1930، كانت كرة القدم قد انتشرت فعلا، لكنها لم تكن قد امتلكت بعد مركزًا عالميًا واضحًا. كان العالم الكروي يتكوّن من اتحادات وطنية، أندية محلية، مباريات ودية، بطولات إقليمية، ودورات أولمبية. كانت اللعبة تتوسع بسرعة، لكنها تفعل ذلك بلا كيان جامع. لكل بلد سرديته، ولكل اتحاد مصالحه، ولكل منطقة إحساسها الخاص بمكانها في الخريطة.
💬 التعليقات (0)