في زمنٍ تتزاحم فيه صور الدمار على شاشات العالم، وتتصدر أخبار الحروب والنزاعات المشهد اليومي، يخرج من بين الركام صوتٌ آخر أكثر قدرة على البقاء؛ صوت الفن. ذلك الصوت الذي لا يحمل سلاحًا ولا يرفع راية حرب، لكنه يمتلك قدرة استثنائية على اختراق الحدود والجدران والأسلاك الشائكة ليصل إلى ضمير الإنسانية. ومن قلب مدينة رفح الفلسطينية، المدينة التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى عنوان للألم والصمود معًا، يطل الفنان والروائي الفلسطيني الدكتور كمال صبح ليكتب فصلاً جديدًا من فصول الحضور الفلسطيني في المحافل الثقافية العالمية، بعد فوزه بجائزة جامعة السوربون الفرنسية المرموقة عن لوحة سريالية تفوقت على أعمال فنية من دول أوروبية عريقة.هذا الإنجاز لا يمكن قراءته بوصفه نجاحًا شخصيًا لفنان فلسطيني فحسب، بل باعتباره حدثًا ثقافيًا يحمل أبعادًا رمزية عميقة. فحين تتمكن لوحة خرجت من فلسطين، ومن رفح تحديدًا، من أن تفرض حضورها داخل واحدة من أعرق المؤسسات الأكاديمية في العالم، فإن الأمر يتجاوز حدود المنافسة الفنية التقليدية ليصبح انتصارًا للثقافة الفلسطينية ذاتها، وللقدرة الإبداعية لشعب يواصل إنتاج الجمال رغم كل ما يحيط به من مآسٍ وتحديات.
لطالما كانت فلسطين حاضرة في الوعي العالمي من خلال الأخبار السياسية والصراعات العسكرية، لكن الفن الفلسطيني ظل يسعى باستمرار إلى تقديم صورة أخرى؛ صورة الإنسان المبدع القادر على تحويل الألم إلى لغة جمالية، والخسارة إلى مادة للتأمل، والمعاناة إلى رسالة إنسانية تتجاوز الجغرافيا والحدود. ومن هنا تكتسب تجربة كمال صبح أهميتها الخاصة، لأنها لا تنطلق من خطاب مباشر أو شعارات جاهزة، بل من رؤية فنية عميقة تحاول تفكيك مفهوم الحرب ذاته وفهم آثاره النفسية والإنسانية.
إن اختيار جامعة السوربون للوحة الفلسطينية لتكون الشعار الرسمي لمؤتمر دولي يحمل عنوان "تفكيك الحرب" ليس تفصيلاً عابرًا. فالمؤتمرات الأكاديمية الكبرى لا تبحث عادة عن الأعمال الفنية الجميلة فقط، بل عن الأعمال القادرة على إنتاج معنى جديد وإضافة فكرية تتقاطع مع موضوع الحدث. وهذا ما يبدو أن اللوحة الفلسطينية قد نجحت في تحقيقه؛ إذ استطاعت أن تقدم قراءة بصرية مركبة للحرب، لا باعتبارها حدثًا عسكريًا فقط، بل باعتبارها بنية نفسية واجتماعية وثقافية معقدة تترك آثارها العميقة في الأفراد والمجتمعات.
ولعل أكثر ما يميز الفن السريالي الذي اشتغل عليه الفنان كمال صبح هو قدرته على تجاوز ظاهر الأشياء والدخول إلى طبقاتها الخفية. فالسريالية ليست هروبًا من الواقع كما يعتقد البعض، بل محاولة لفهم الواقع بطريقة أكثر عمقًا، عبر كشف التوترات الكامنة في النفس البشرية، وإظهار ما تعجز اللغة المباشرة عن التعبير عنه. لذلك فإن الحرب في اللوحة السريالية لا تظهر فقط على هيئة دبابات أو انفجارات أو خرائط سياسية، بل تظهر بوصفها حالة نفسية ووجودية تعيد تشكيل الإنسان من الداخل.
من هنا يمكن فهم الإشادة التي حظيت بها اللوحة من قبل النقاد والمتخصصين، الذين رأوا فيها عملاً يجمع بين الحس الجمالي والبعد الفلسفي، وبين الرؤية الفنية والقدرة التحليلية. فالفنان لم يكتفِ بإنتاج صورة بصرية جذابة، بل قدم خطابًا فكريًا متكاملًا عبر اللون والرمز والتكوين، وهو ما منح العمل قيمة تتجاوز حدود اللوحة التقليدية.
وتزداد أهمية هذا الإنجاز إذا ما وضعناه في سياق المشهد الثقافي الفلسطيني الراهن. فالفنان الفلسطيني لا يعمل في ظروف طبيعية كتلك التي يعيشها كثير من الفنانين في العالم. إنه يبدع في بيئة مثقلة بالتحديات، حيث تتداخل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وحيث يصبح الحفاظ على المساحة الإبداعية فعل مقاومة بحد ذاته. لذلك فإن كل نجاح فلسطيني على الساحة الدولية يحمل في داخله قصة كفاح طويلة لا تظهر بالضرورة في العناوين الصحفية المختصرة.
💬 التعليقات (0)