قبل أيام قليلة من استشهاده، كان المصور الصحفي أحمد وشاح يحمل إلى زملائه طبقًا أعدته والدته عن روح شقيقه الشهيد محمد وشاح، مراسل قناة الجزيرة مباشر. لم يكن الطعام مجرد وجبة، بل كان رسالة وفاء من أم فقدت أحد أبنائها، ولم تكن تعلم أنها ستفقد الثاني والأخير من أبناءها بعد وقت قصير. يقول أحد زملائه مستذكرًا آخر لقاء جمعهما: "قال لي أحمد: إن أمي ستصنع طعامًا عن روح أخي محمد، وتريد أن تطعم زملاءه وأحبابه. مازحته: وماذا ستطعمنا الحجة؟ فقال مبتسمًا: مفتول." بعد يومين، حضر أحمد يحمل الطعام بيديه. جلس مع زملائه، وتقاسموا طبق "المفتول" حتى الشبع، بينما كانت روح محمد حاضرة في الدعوات والذكريات. يضيف زميله: "كان من ألذ وأمتع ما أكلنا. شكرته كثيرًا، وشكرت والدته الصابرة المحتسبة، ودعونا لمحمد بالرحمة والقبول." لكن أحمد لم يكن يتحدث عن أخيه كذكرى ، بل كوجع يسكنه كل يوم ويريد اللحاق به ليرتاح من ألم فقده. يقول أحد زملاءه"قال لي إنه اشتاق لمحمد كثيرًا، وإنه يدعو الله دائمًا أن يلحقه به. محمد كان بالنسبة لأحمد كل شيء، قطعة من قلبه. من عرف أحمد كان يعرف حجم العلاقة التي جمعتهما. بكى أخاه كثيرًا، وانكسر قلبه بعد استشهاده، حتى إن لوعة الفقد غيرت حياته تمامًا." لم تمض سوى أسابيع قليلة حتى تحقق الدعاء الذي ظل يردده أحمد. مساء السبت، استشهد مصور قناة الجزيرة مباشر أحمد وشاح إثر قصف إسرائيلي استهدف منزلًا في مخيم البريج وسط قطاع غزة، بعد نحو شهرين فقط من استشهاد شقيقه محمد وشاح، مراسل القناة، في استهداف سابق. كان أحمد واحدًا من عشرات الصحفيين الذين واصلوا حمل الكاميرا وسط القصف، مؤمنًا بأن الصورة شهادة، وأن توثيق الجرائم رسالة لا يجوز التخلي عنها. وبينما كان العالم يشاهد ما تنقله عدسات الصحفيين من دمار ومجازر، كان هؤلاء الصحفيون أنفسهم يتحولون إلى أهداف مباشرة. وبحسب معلومات صحافية ومؤسسات حقوقية، استشهد منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 أكثر من 230 صحفيًا وعاملًا في قطاع الإعلام في قطاع غزة، في واحدة من أكثر الحروب دموية بحق الصحفيين في التاريخ الحديث، إلى جانب إصابة واعتقال العشرات، وتدمير عشرات المؤسسات الإعلامية.
برحيل أحمد، لم يُفتح جرح جديد فحسب، بل اتسع جرح قديم لم يلتئم منذ استشهاد محمد. أمٌ أعدت الطعام صدقة عن روح ابنها الأول، سرعان ما وجدت نفسها تستقبل المعزين في ابنها الثاني. لم يكن "المفتول" الذي حمله أحمد قبل أيام مجرد وجبة أخيرة مع زملائه، بل بدا، بعد استشهاده، وكأنه وصية وداع أخيرة، ورسالة محبة من شقيق اشتاق إلى أخيه حتى لحق به. وبقيت كلمات زميله ترثيهما معًا: "ارتقى أحمد اليوم ليلتقي بحبيبه وحبيبنا محمد وشاح، ليفتح جرحًا لم يندمل أصلًا منذ فقداننا لمحمد وغيره من الشهداء منذ بداية حرب الإبادة. صبّر الله والدتكما ومن أحبكما على فراقكما يا أحباب."
💬 التعليقات (0)