أمد/ "أنا أحببت وليد دقة، لأنه مات، فلا يأتي منه شرّ ألبتة، أصبح فعلاً ماضياً منجزاً على هيأة شهيد أو قدّيس". هذه كانت إحدى مراسلاتي التي كتبتها عبر الواتس أب على هامش مناقشة كتاب وليد دقة الجديد "بائع التذاكر". وأما مناسبة هذه الجملة "غير المهذبة" ما مارسه ويمارسه معي شخصياً بعض الأسرى قبل التحرير وبعده من قلة تهذيب واحترام، بعد أن كتب أحدهم ضدي كلاماً سيئاً، وآخر يبعث لي رسالة تهديد إثر مقال كتبته ولم يعجبه ما جاء فيه، وآخر يسترق النظر، وينتظر أن أشكره بعد أن كتبت عنه، فيزودني أحد أقربائه برقمه الواتس أب، اعتقادا منه أنني سأسارع للاتصال به. لا أدري كيف يفكر هؤلاء، لا أعتقد أنهم أغبياء، لكنهم يظنونني ساذجاً إلى هذه الدرجة.
هذا موضوع لن يُفتح على آخره الآن، ربما في المستقبل سيتحدث آخرون عما يسكتون عنه، من أمراض الحركة الأسيرة، وما أكثرها! وهي بالمناسبة طبيعية، فهم بشر وإن كانوا مناضلين، ومن يقرأ اليوم عن "مناضلي الجزائر" في كتابات الطاهر وطار وواسيني الأعرج، وأحلام مستغانمي وسعيد خطيبي وآخرين كثر، وما يتكشف من أمراض الذاتية والانتهازية والقتل على الشبهة لن يفاجأ بما سيكتشفه في المستقبل عن أمراضنا الوطنية الكثيرة أيضاً التي بدأت تباشيرها في الكتابة ليس عند وليد دقة فقط، وإنما عند آخرين غيره سبقوه، خرجت كتاباتهم من رحم السجون.
لكم أن تتخيلوا هذا كله، لذلك منذ مدة طويلة لم أكتب عن الأسرى أو أدبهم، وإن كتبت تنظيرا عاما حول "أدب الحرية" ومهتم جدا بصياغة هذا المصطلح وترسيخه في المفكرة الثقافية، أما أعيان الأسرى ومؤلفاتهم، فلا، وتوقفت عن مراجعة مخطوطاتهم وتحريرها، فكثير من هؤلاء قد خيبوا الأمل هم أيضاً. لم يخيبوا أملي وحدي إنما خيبوا أمل الكثيرين ممن كانوا لهم أصدقاء ومناصرين وهم خلف القضبان، فإذا ما تحرروا نسوا وتجبروا وتكبروا.
لذلك أنا أحببت وليد دقة، لأنني لم أكتب عنه وهو حيّ، وربما لم يسمع بي، ولم يقرأ لي أيام رفاهية السجن "النسبية"، ولا أدري أوقعت كتبي الداخلة إلى السجون ضمن مبادرة حسن عبادي "لكل أسير كتاب" بين يديه أم لا، إلا أنني قرأت كتبه "سر السيف" و"سر الزيت" أغلب الظن بعد رحيله، ولم أكتب عنهما كتابة مستقلة، وإن ذكرته في إبداعات الأسرى، كونه الوحيد- حسب ما أعلم- من كتب للأطفال من الأسرى، ووثقت شيئا من النشاطات حول كتبه في تقارير صحفية نشرت- فيما بعد- في كتاب "تصدع الجدران- عن دور الأدب في مقاومة العتمة".
وليد دقة أصبح فعلاً ماضياً تاماً وليس فعلا ماضيا مستمراً كما وصف نفسه في هذه السيرة، هذه الفكرة من الاستقرار العلائقي مع الكتّاب، طرحتها سابقاً، وأرى الآن وجاهتها وأنا أهمّ بالكتابة عن وليد دقة وكتابه الجديد الصادر بعد عامين من استشهاده في السابع من نيسان عام 2024، فكل حيّ غير مضمون أن ينقلب عليك لأتفه الأسباب، وقد فعلها من غير الأسرى كثير من الكتّاب والكاتبات؛ غير مأسوف على رحيلهم عني على أية حال.
والآن، دعكم من ذلك كله، ولنذهب سوياً إلى وليد وأفكاره في منجزه الأخير؛ فأين تكمن أهمية الكتاب؟ لا أدري بالضبط، فلست قادراً على تحديد بؤرة خاصة لتكون هي الأهمية البؤرية للكتاب. على الرغم من أنه ممتع في سرده، ولذيذ في لغته، وطريف في تصويراته، ولافت في حس الفكاهة والسخرية المرة فيه، إلا أن معاناة وليد في الأسر والتنقل من سجن إلى آخر وفي المرض والاستشهاد، وقبل ذلك في معاناة الحمل بالنطفة المحررة، لم يكن وحيداً فيها، فكثيرون سبقوه، وأكثر لحقوا به، ولا حتى معاناة أمه، أو زوجته سناء سلامة، كل ذلك وغيره يشبهه الآخرون فيه، ولا فضل لسجين على آخر في هذا ولا حتى في المحكومية، فغيره كثيرون يفوقونه حُكماً، وبلاء.
💬 التعليقات (0)