قد يبدو الاتفاق الأخير بين واشنطن وطهران خطوة نحو السلام كما يروج الاعلام، لكن الحقيقة تقود الى استنتاج آخر تماما.
إن الصراع بين أمريكا والجمهورية الإسلامية ليس صراع خير ضد شر، بل صراع قوى تسعى كل منها لتعزيز مصالحها. التهدئة لم تأتِ انتصارًا للشعوب، بل لأن الطرفين وجدا أن استمرار الحرب صار أكثر كلفة من التسوية. الصراع لم ينته، بل انتقل من الميدان العسكري الى طاولة المساومة.
ولا يمكن فهم هذا الاتفاق بمعزل عن الصراع العالمي الأوسع. فإيران تمثل حلقة مركزية في مشروع الحزام والطريق الصيني، وممراً حيوياً للطاقة عبر مضيق هرمز. لذلك فأن أي حرب واسعة على إيران لا تستهدف طهران وحدها، بل تمس المصالح الاقتصادية والإستراتيجية للصين أيضا. ومن هذه الزاوية، لم يكن الصراع الأمريكي الإيراني منفصلاً عن التنافس بين واشنطن وبكين، وهو ما جعل كلفة المواجهة الشاملة أعلى على جميع الأطراف ودفع نحو التسوية. أخبار ذات صلة الذهب يرتفع مع الاتفاق الأمريكي الإيراني السيادة المبتورة وذاكرة الدم .. رد على جوزيف عون ونواف سلام
أما الملف النووي والاعتراف بالسيادة، فيكشفان حقيقة الاتفاق: إعادة ترتيب للتوازنات الإقليمية بما يخدم الاستثمار والتجارة، والوعود بعدم التدخل ليست ضمانة دائمة، بل انعكاس لموازين قوى مؤقتة. التجربة السابقة مع اتفاق ٢٠١٥ علمتنا أن أي تفاهم ينهار فور تغير الحسابات.
في الجانب الاقتصادي: رفع العقوبات، تحرير الأموال المجمدة، وخطة استثمار ب ٣٠٠ مليار دولار. لكن السؤال الجوهري: من سيستفيد؟ ضخ هذه الأموال في اقتصاد تسيطر عليه الدولة، بالتأكيد وسيلة لتقوية النظام وإطالة عمره، لكن السؤال لا يتعلق فقط بحجم الأموال، بل أيضا بالطبقات الاجتماعية التي ستستفيد منها وكيف ستتوزع ثمارها.
إن الاتفاق لم يخن "الشعب"، لأنه لا يوجد طرف واحد اسمه الشعب. المجتمع منقسم: قد يستفيد الرأسماليون والفئات المرتبطة بالدولة بصورة أكبر من تدفق الأموال والاستثمارات، بينما يحصل العمال والفقراء على بعض المكاسب المعيشية المحدودة مع استمرار علاقات الاستغلال الأساسية. تحسن المعيشة الناتج عن الاستثمارات ورفع العقوبات يؤدي الى تخفيف الضغوط الاقتصادية، لكنه لا يضمن الحرية السياسية أو التحرر من التبعية الاقتصادية. فالطريق الوحيد للخلاص الحقيقي يبدأ من التنظيم المستقل للعمال والكادحين وعموم المجتمع لا من صفقات الحكومات.
التعليقات (0)