تشهد الساحة السياسية الفلسطينية حراكاً متزايداً حول إجراء الانتخابات، ولا يختلف فلسطينيان على أن تجديد الشرعيات عبر صناديق الاقتراع حق ديمقراطي للمواطن الفلسطيني، وضرورة وطنية لإعادة الحيوية إلى النظام السياسي الفلسطيني الذي يعاني منذ سنوات طويلة من الجمود والتآكل. لكن السؤال الجوهري ليس ما إذا كنا مع الانتخابات أم ضدها، بل أي انتخابات نريد؟ وما هو الإطار السياسي والقانوني الذي ستجري في ظله؟ وهل ستكون مدخلاً لتطوير النظام السياسي الفلسطيني والبناء على الإنجازات الوطنية المتراكمة، أم ستتحول إلى أداة لإعادة إنتاج المرحلة الانتقالية بكل قيودها وإخفاقاتها؟
في أعقاب اتفاق القاهرة عام 2011، الذي وقّعت عليه جميع الفصائل الفلسطينية، تم الاتفاق على تشكيل لجنة لصياغة نظام انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني. وعملت اللجنة على مدى اجتماعات طويلة لوضع تصور متكامل لإعادة بناء المؤسسة التشريعية العليا للشعب الفلسطيني، بحيث يتكون المجلس الوطني من 350 عضواً، منهم 200 من الخارج و150 من الداخل، وبما يحافظ على مكانة منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، والمرجعية السياسية العليا للسلطة الوطنية الفلسطينية، ويربط بصورة محكمة بين المجلس الوطني والمجلس التشريعي.
استند هذا التصور إلى حقيقة سياسية وقانونية واضحة؛ فالمجلس التشريعي نشأ في إطار اتفاق أوسلو وترتيبات المرحلة الانتقالية، بينما يستمد المجلس الوطني شرعيته من استمرار قضية التحرر الوطني وعدم إنجاز الاستقلال حتى الآن. ولذلك كان الهدف الحفاظ على التراتبية الوطنية التي تضع منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها في الموقع الأعلى، باعتبارها إطار تمثيل الشعب الفلسطيني بأسره في الوطن والشتات، وليس فقط سكان الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.
وقد صادقت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية آنذاك على النظام المقترح، لكن المشروع وُضع جانباً تحت وطأة ضغوط سياسية هدفت إلى إبقاء عملية إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني ضمن السقف المنخفض للمرحلة الانتقالية. وعاد الحديث في حينه إلى انتخابات المجلس التشريعي وحدها، قبل أن تتعطل العملية برمتها عام 2021 في اللحظات الأخيرة رغم اكتمال الاستعدادات لإجرائها.
وخلال العام الماضي عاد النقاش مجدداً حول ضرورة تجديد المؤسسات الوطنية، فتم تشكيل لجنة تحضيرية لإعداد نظام انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني. وعملت اللجنة على إعداد مشروع متكامل ينطلق من اعتبار المجلس الوطني المرجعية التشريعية العليا للشعب الفلسطيني، وأن الأعضاء المنتخبين داخل الوطن يشكلون مجلس نواب دولة فلسطين وفي الوقت ذاته جزءاً من المجلس الوطني الفلسطيني.
ويمثل هذا التصور تطوراً طبيعياً ينسجم مع ما حققه الشعب الفلسطيني من إنجازات سياسية وقانونية، وفي مقدمتها الاعتراف الدولي بدولة فلسطين، كما ي فتح المجال للانتقال من منطق السلطة الانتقالية إلى منطق الدولة قيد الإنجاز، ومن إدارة الحكم الذاتي المحدود إلى تعزيز مكانة المؤسسات الوطنية الجامعة.
التعليقات (0)