تشهد الدولة المصرية تحولاً بنيوياً في إدارتها الاقتصادية منذ عام 2013، حيث انتقلت السياسة العامة من محاولات الإصلاح التقليدية إلى منهجية تعتمد على عرض الأصول الوطنية في مزاد مفتوح. هذا التحول يثير تساؤلات جوهرية حول الفارق بين البيع تحت وطأة الضرورة الطارئة، وبين التصفية المنظمة لرأس المال الوطني الذي تراكم عبر عقود طويلة من الزمن.
تُظهر الأرقام الرسمية حجم الانهيار في التعريف الكلاسيكي للسياسة المالية، إذ قفز الدين الخارجي من 43 مليار دولار في عام 2013 إلى رقم قياسي تجاوز 168 مليار دولار بحلول عام 2024. هذا الارتفاع ليس مجرد نمو في المديونية، بل هو انعكاس لآلية استدانة تهدف لتمويل البقاء السياسي وسداد فوائد القروض القديمة عبر قروض جديدة.
تستهلك خدمة الدين حالياً ما يزيد على 40% من إجمالي إيرادات الدولة، مما يعني أن قرابة نصف الموارد المجمعة تذهب للدائنين بدلاً من توجيهها لقطاعات حيوية كالتعليم والصحة. هذه الحلقة المفرغة جعلت الاقتصاد المصري رهينة لتقلبات الأسواق الدولية وإملاءات المؤسسات المانحة، مما أضعف القدرة على المناورة الاقتصادية.
تبرز العاصمة الإدارية الجديدة كرمز لهذا النهج الاستعراضي، حيث أُنفقت مليارات الدولارات على مدينة في الصحراء في وقت تعاني فيه القاهرة الكبرى من أزمات حادة في البنية التحتية. المشروع الذي كلف نحو 60 مليار دولار اعتمد بشكل كبير على تمويلات خارجية مشروطة، مما قلل من العوائد الحقيقية على سوق العمل المحلي.
انتقلت الحكومة من بيع الأصول غير المنتجة إلى التفريط في أصول استراتيجية تشمل موانئ وشواطئ وأراضي زراعية ومحطات وقود. هذه الصفقات، التي تمت غالباً مع صناديق سيادية خليجية، جرت في غياب تام للرقابة البرلمانية الفعلية أو الشفافية المطلوبة في تقييم الأصول السيادية.
تعد صفقة 'رأس الحكمة' مع الإمارات المثال الأبرز على تحويل الجغرافيا إلى سيولة نقدية سريعة، حيث بلغت قيمتها 35 مليار دولار. المثير للجدل أن جزءاً كبيراً من هذا المبلغ لم يكن تدفقاً نقدياً جديداً، بل تم عبر تحويل ودائع إماراتية سابقة لدى البنك المركزي إلى حصص ملكية في المشروع.
💬 التعليقات (0)