أمد/ لا تبدو المنطقة اليوم أمام مسارات تفاوضية منفصلة بقدر ما تبدو أمام مشهد واحد تتعدَّد فيه الساحات وتتقاطع فيه المصالح، فمن بيروت إلى طهران، ومن غزة إلى البحر الأحمر، تدور حوارات سياسية وأمنية تبدو في ظاهرها مستقلة، فيما تكشف وقائع الأحداث وتلاحقها عن شبكة واحدة من الأسئلة المتعلقة بموازين القوى ومستقبل الإقليم وشكل النظام الدولي نفسه، وكأن البحث في مستقبل هذه الساحات، هو في حقيقته بحث عن مستقبل القضية الفلسطينية نفسها، بوصفها العامل الأكثر حضوراً في تشكيل خرائط الصراع وإعادة إنتاجها.
ومن هنا، تكتسب قراءة الورقة الأميركية المطروحة على الساحة اللبنانية معناها الحقيقي عندما توضع ضمن سياقها الأوسع المتجاوز للجغرافيا السياسية اللبنانية؛ تماماً كما يجب فحص المسارات التفاوضية المتعلقة بإيران على خلفية ما أنتجه الصراع بعد السابع من أكتوبر، من تحولات جيوسياسية للفاعلين والمنخرطين على حد سواء.
فالتوقيت الذي طُرحت فيه الورقة الأميركية، وطبيعة المواقف التي صدرت عن الرئيسين عون وسلام، وحراك بعض قوى الإقليم في هذا الملف، فضلاً عن العديد من تصريحات الرئيس ترامب المتناقضة، يؤكد أن الملف اللبناني لا يتحرك بمعزل عن حسابات المنطقة المتداخلة مع حسابات القوى الإقليمية والدولية الفاعلة.
وهو ما يؤكد أن المشهد برمّته بات يتعلق بمحاولة إدارة شبكة مترابطة من الأزمات، تتغذى من مصادر متعددة، لكنها تعود في جوهرها إلى سؤال الاستقرار الإقليمي وشروطه، وإلى الكيفية التي يمكن من خلالها التعامل مع القضية المركزية المتمثلة في المسألة الفلسطينية، التي أثبتت التجارب أنها تتجاوز كونها ملفاً سياسياً من بين ملفات المنطقة.
من هنا تبرز أهمية التمييز بين مستويات إدارة الصراع، عبر فهم العلاقة بين المبادئ الحاكمة والتفاهمات المرحليّة والاتفاقات النهائيّة.
فالمبادئ بما تُمثّل من إطار نظري عام، تكمن وظيفتها في تحديد الاتجاهات الكبرى المؤسِّسة لفهم مشترك لطبيعة المرحلة، وهي الصيغة المطروحة على الساحة اللبنانية؛ أما التفاهمات فتمثّل إجراءات عملية أو تفاهمات موضعية تسمح بإدارة التوترات وتخفيض احتمالات التصعيد وفتح قنوات التواصل بين الأطراف المختلفة، وهو الشكل المتناول في إسلام آباد ويخص الملف الإيراني.
💬 التعليقات (0)