أمد/ يشكل الإعلان عن التوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لوقف الحرب والعمليات العسكرية على مختلف الجبهات تطوراً سياسياً واستراتيجياً قد يكون من أبرز التحولات التي شهدها الشرق الأوسط منذ سنوات. فالاتفاق، إذا ما تُوج بتوقيع رسمي ودخل حيز التنفيذ، لا يمثل مجرد تفاهم ثنائي بين واشنطن وطهران، بل يحمل في طياته مؤشرات على إعادة ترتيب أولويات القوى الدولية والإقليمية وإعادة رسم موازين القوى في المنطقة. لقد أثبتت السنوات الماضية أن سياسة المواجهة والعقوبات والضغوط العسكرية لم تنجح في إقصاء إيران عن معادلات المنطقة، كما لم تؤدِ إلى تغيير جذري في سياساتها الإقليمية. وفي المقابل، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام واقع يؤكد أن إدارة الصراعات عبر التفاهمات السياسية أقل كلفة من استمرار الحروب المفتوحة التي استنزفت الموارد وأثرت على الاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي. إن أهمية الاتفاق لا تكمن فقط في وقف العمليات العسكرية أو تخفيف القيود المفروضة على إيران، وإنما في الرسائل السياسية التي يحملها. فهو يعكس اعترافاً عملياً بأن أي منظومة أمنية جديدة في الشرق الأوسط لا يمكن أن تقوم على استبعاد القوى المؤثرة في الإقليم، بل على إدماجها ضمن ترتيبات توازن المصالح والأمن الجماعي. وفي هذا السياق، تبدو إسرائيل من أكثر الأطراف متابعة وقلقاً من نتائج هذا التحول. فقد بنت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة جزءاً كبيراً من استراتيجيتها السياسية والأمنية على اعتبار إيران الخطر المركزي الذي يبرر سياسات الردع والتحالفات الإقليمية والتوسع في الإنفاق العسكري. وبالتالي فإن أي تفاهم أمريكي ـ إيراني من شأنه أن يحد من قدرة إسرائيل على توظيف هذا الملف في إدارة علاقاتها الإقليمية والدولية. كما أن الاتفاق يضع الحرب على غزة والتطورات المتسارعة في الضفة الغربية أمام معادلة جديدة. فمع تراجع احتمالات المواجهة الإقليمية الواسعة، ستزداد الضغوط الدولية لإيجاد مقاربات سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، خاصة في ظل تنامي الدعوات الدولية للاعتراف بالدولة الفلسطينية وتنفيذ قرارات الشرعية الدولية. أما عربياً، فإن الاتفاق يفتح نافذة لخفض التوترات التي أثقلت كاهل المنطقة وأعاقت مشاريع التنمية والاستثمار والتكامل الاقتصادي. غير أن الاستفادة من هذه الفرصة تتطلب بلورة رؤية عربية موحدة تحافظ على المصالح العربية وتمنع تهميش القضايا المركزية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية. وتبقى القضية الفلسطينية المعيار الحقيقي لنجاح أو فشل أي ترتيبات إقليمية جديدة. فالتاريخ أثبت أن تجاوز جوهر الصراع المتمثل بالاحتلال وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية المشروعة لا يؤدي إلى السلام، بل يؤسس لدورات جديدة من عدم الاستقرار. لذلك فإن أي حديث عن شرق أوسط جديد لن يكتسب المصداقية أو الاستدامة ما لم يتضمن مساراً جدياً لإنهاء الاحتلال وتجسيد حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وفق قرارات الأمم المتحدة. اقتصادياً، قد يسهم الاتفاق في تعزيز الاستقرار في أسواق الطاقة العالمية، وضمان أمن الملاحة في الممرات البحرية الحيوية، وتخفيف المخاوف المرتبطة بتعطل سلاسل الإمداد الدولية. كما قد يفتح الباب أمام مرحلة من الانفتاح الاقتصادي والاستثمارات الإقليمية التي تحتاجها المنطقة بعد سنوات من الحروب والأزمات. ومع ذلك، فإن الحكم على الاتفاق لا يكون من خلال الإعلان عنه، بل من خلال قدرته على الصمود أمام تعقيدات الواقع السياسي والأمني. فالمنطقة شهدت العديد من الاتفاقات التي اصطدمت لاحقاً بتضارب المصالح أو غياب الإرادة السياسية اللازمة لتنفيذها. إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. فقد يكون الاتفاق الأمريكي – الإيراني بداية مرحلة جديدة تنتقل فيها المنطقة من منطق الصراع إلى منطق التسويات، وقد يكون مجرد هدنة مؤقتة تفرضها حسابات اللحظة. لكن المؤكد أن تداعياته ستتجاوز حدود واشنطن وطهران لتطال مستقبل الأمن الإقليمي، ومكانة إسرائيل، ودور الدول العربية، ومستقبل القضية الفلسطينية في السنوات القادمة.
فارس: تعديلات نهائية على الاتفاق مع أمريكا تؤكد سيادة إيران وعُمان على مضيق هرمز
عراقجي: أمريكا مسؤولة عن تنفيذ الاتفاق ويجب وقف الهجمات ضد لبنان
اليوم 109..حرب إيران والمحطة ما قبل الأخيرة بعد اتفاق مذكرة التفاهم..وترحيب عالمي
عون مرحّباً باتفاق أمريكا - إيران: لبنان يستحق الاستقرار والتعافي
بري يشيد باتفاق أميركا وإيران ونوه بجهد قطر والسعودية وباكستان
💬 التعليقات (0)