تواجه جماعة الإخوان المسلمين في الآونة الأخيرة اختبارات قاسية تجاوزت في حدتها الخلافات الإدارية التقليدية، لتصل إلى جوهر العلاقة بين البناء التنظيمي والمشروع الإصلاحي الذي قامت من أجله. هذه الأزمة كشفت عن حاجة ملحة لإعادة قراءة الواقع المتغير الذي فرضته تحولات ما بعد عام 2013، وما نتج عنها من تشتت للكوادر وتغير في أولويات الأجيال الصاعدة.
إن الإشكالية الحقيقية لا تكمن في وجود رؤى متنوعة داخل الصف، بل في تحول هذا التنوع إلى استقطاب حاد أضعف المساحات المشتركة. وبدلاً من أن يكون التنظيم وسيلة لخدمة الفكرة، تحول في بعض الأحيان إلى غاية في حد ذاته، مما جعل الصراع ينحصر في دائرة التنافس على الشرعية والنفوذ الإداري.
تستدعي المرحلة الراهنة الانتقال من مفهوم 'وحدة التنظيم' الضيق إلى فضاء 'وحدة المشروع' الأرحب، حيث تذوب الخلافات الشكلية أمام الأهداف الكبرى. فالمرجعية الفكرية الواحدة والتاريخ المشترك والتضحيات الممتدة تمثل عناصر قوة كفيلة بتجاوز أي انقسام إذا ما تم تغليب روح المشروع على جمود الهياكل.
إن أي مقاربة جادة للإصلاح يجب أن تبدأ من إعادة تعريف الأولويات، بحيث يتوقف السؤال عن 'من يمثل الجماعة؟' لصالح سؤال أعمق وهو 'كيف نحافظ على المشروع ونطوره؟'. فالتحديات التي تواجه الأمة من استبداد وتراجع حضاري لا تترك مجالاً لاستنزاف الطاقات في معارك داخلية لا تخدم سوى الخصوم.
يتطلب بناء عقد داخلي جديد الاعتراف الصريح بشرعية التنوع والاجتهاد كظاهرة صحية داخل الجماعة، شريطة انضباطها بالثوابت العامة. هذا الاعتراف يمهد الطريق لبيئة حوارية تستوعب كافة الأطراف وتمنع تحول الاختلاف في الوسائل إلى قطيعة في الأهداف.
من الضروري الفصل الحاسم بين الثوابت الفكرية التي تمثل هوية الجماعة، وبين المتغيرات والوسائل التي يجب أن تظل خاضعة للنقاش والتطوير المستمر. إن الجمود في الوسائل والآليات تحت دعوى الحفاظ على الثوابت هو ما يؤدي غالباً إلى تآكل الفاعلية والقدرة على التأثير في الواقع.
💬 التعليقات (0)