بعد سنوات طويلة ارتبط فيها اسم كاظم الساهر بالقصيدة الفصحى والأغنية الرومانسية الكلاسيكية، يعود "القيصر" إلى اللون العراقي الذي شكل جزءا أساسيا من بداياته الفنية ورسخ جماهيريته الأولى في العالم العربي.
عودة أعادت فتح النقاش حول موقع الأغنية العراقية في مشروعه الفني، لكنها تأتي هذه المرة من زاوية مختلفة مع أولى أغنيات ألبومه العراقي "متى"، التي تكشف أن الساهر لا يعود إلى اللون العراقي بوصفه ذاكرة فنية فحسب، بل بوصفه مساحة جديدة للتجريب وتطوير لغته الموسيقية الخاصة، وتوسيع حدوده عبر مزج هويته العراقية بخيارات لحنية وتوزيعية أكثر حداثة.
منذ الاستماع الأول، تبدو "متى" إعلانا واضحا بأن كاظم الساهر لا يعود إلى الأغنية العراقية من البوابة نفسها التي دخل منها قبل عقود. وبينما يحافظ على الشجن والأحاسيس التي ميزت أعماله العراقية، يختار هذه المرة بناء موسيقيا معاصرا، يبتعد عن تكرار التجارب السابقة ويمنح الأغنية شخصية جديدة، كأنه يعيد قراءة للإرث لا إعادة إنتاج له، ويستحضر روحا قديمة داخل صياغة حديثة لا تنفصل عن أدوات العصر.
ما وراء الأغنية لا يقل أهمية عن نتيجتها، ولا يتوقف عند ما يسمعه الجمهور، بل يمتد إلى كواليسها. هناك يكشف الموزع الموسيقي المصري هشام نياز جانبا من الرؤية التي وقفت خلف هذا العمل.
هشام نياز، الذي سبق أن تعاون مع الساهر في "حافية القدمين" و"أحبيني بلا عقد" و"نزلت للبحر" و"كلما تكبر تحلى" وغيرها، لا ينظر إلى الأغنية بوصفها مشروعا تقنيا فقط، بل امتدادا لتراكم سمعي وثقافي بدأ منذ الطفولة.
يروي نياز أن علاقته بالموسيقى العراقية تعود إلى منتصف السبعينيات، حين عاش فترة من طفولته في قطر. هناك كان التلفزيون القطري يبث أغنيات عراقية في وقت لم تكن تلك الأعمال حاضرة في الذاكرة المصرية بالقوة نفسها. عبر تلك البوابة المبكرة تعرّف إلى أصوات مثل ياس خضر وفاضل عواد وحسين نعمة وناظم الغزالي، وتشكّل وعيه على إرث محمد القبانجي، أحد أبرز أعلام الغناء العراقي، إضافة إلى الشعر الشعبي وأسماء مثل جبار عكار.
💬 التعليقات (0)