إذا كان هناك رقم يمكن أن يفسر الحرب الإيرانية الحالية وتوابعها أفضل من أي خريطة ميدانية مسكونة بالكثير من المربعات والمثلثات، فهو لا شك الفارق بين سعر مسيرة إيرانية وصاروخ اعتراضي أمريكي، إذ تبلغ تكلفة صناعة المسيرة الهجومية الإيرانية “شاهد-136” نحو 35 ألف دولار، بينما تبلغ تكلفة صواريخ الاعتراض الأمريكية “باتريوت”، التي تستخدم غالبا لإسقاطها، نحو 4 ملايين دولار، هذه النسبة -التي تتجاوز مئة إلى واحد- تعد أحد المحركات الأساسية للحرب الحالية.
على مدى عقدين من الزمن، تدربت جيوش الولايات المتحدة وإسرائيل على نوع محدد من الحرب، تلك التي تتضمن صراعا قصيرا خاطفا، عبر ضربات دقيقة لاستهداف الدفاع الجوي للخصوم، ثم سيطرة جوية كاملة، يلي ذلك تدمير سريع وموسع لمراكز القيادة، أما إيران على الجانب الآخر، فقد أمضت العقدين نفسيهما في الاستعداد لخوض حرب معاكسة تماما، حرب طويلة، ومتعددة النقاط مثل شبكة ضخمة، ورخيصة التكلفة بالنسبة لها، ومكلفة للغاية بالنسبة للطرف الآخر.
عندما اصطدمت العقيدتان العسكريتان أخيرا في قتال مفتوح ومستمر، كانت النتيجة برهانا حيا على أن الكثير من القواعد التي اعتنقها الجميع أصبحت بالية، وبحاجة لإعادة النظر. ما نسميه الآن بشكل عام “الحرب الإيرانية” هو في الواقع سلسلة من الأحداث بدأت منذ أبريل/نيسان 2024، ثم مرة أخرى في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، ثم تصاعدت المواجهة إلى حرب الأيام الاثني عشر في يونيو/حزيران 2025، والتي انتهت بغارات جوية أمريكية على المواقع النووية الإيرانية، ثم في 28 فبراير/شباط 2026 شنت الولايات المتحدة وإسرائيل حملة أوسع نطاقا، وردت إيران بدورها بضربات غير مسبوقة في حدتها واتساعها.
وبعد 100 يوم من هذه الضربات، لم تنته تلك الحرب بعد، لكنها هزت العديد من المفاهيم العسكرية التي كان يُظن يوما أنها ثابتة وراسخة.
اقتصاديات المسيرات وقواعد الردععلى سبيل المثال، طوال معظم عصر الطائرات المسيرة القصير، كان ينظر إلى هذه الطائرات على أنها عنصر مساعد، كانت تراقب مسرح العمليات، وتستطلع، وربما تنطلق لتضرب هدفا واحدا ذا قيمة عالية، لكن في يد طهران، وقبلها الأوكرانيون والروس، أصبحت المسيرة الانتحارية الرخيصة أحادية الاتجاه سلاحا رئيسيا للاستنزاف.
أنتجت إيران مسيرة “شاهد-136” بكميات كبيرة، وهي الذخيرة بعيدة المدى نفسها التي زودت بها روسيا لحربها في أوكرانيا، وتعلمت إطلاقها في أسراب تصل بالتزامن مع وابل الصواريخ، ويكمن جوهر استخدام أسراب الطائرات المسيرة في الحسابات البسيطة التي تتضمن علامات مثل “زائد” و”ناقص”، تلك التي تعلمناها في المدارس صغارا، لا في الدقة، فحتى لو تمكن المدافعون من اعتراض معظمها، فإنهم يدفعون ثمنا باهظا للاعتراض يفوق بكثير ما دفعه المهاجم مقابل التهديد.
💬 التعليقات (0)