ثمة عدد من الحقائق التاريخية الجوهرية التي ينبغي الإلمام بها عند دراسة الشأن الإيراني، إذ يمثل الجهل بها عائقاً كلياً عن فهم طبيعة التركيبة السياسية والاجتماعية الحالية. ويتجلى هذا العجز الإدراكي بوضوح في المكتبة العربية التي تفتقر للدراسات العميقة، مما يجعل التحليلات السائدة قاصرة عن استيعاب التعقيدات الداخلية لإيران.
وعلى عكس الشائع، لم تكن الثورة الإسلامية وحدها هي المسؤولة عن الفجوة بين الوعي العربي والإيراني، بل لعب 'إفقار الروح العربية' بفعل ضراوة التحديث والاستهلاك دوراً أكبر. هذا التحول جعل الوعي العربي عاجزاً عن استيعاب المجازات والتركيبات الفكرية المعقدة، مما أدى إلى تبني مواقف اختزالية تجاه الحالة الإيرانية الفذة.
لقد ساهمت الأيديولوجية الدينية الطهورية، وتحديداً الوجدان الوهابي الذي هيمن منذ السبعينيات، في تعزيز هذا الجفاف الروحي والكسل الفكري. هذا المناخ أنتج جيلاً من 'الصحوة الإسلامية' عجز عن اتخاذ موقف مركب من الثورة الإيرانية، متبنياً مقولات تبسيطية تحولت مع الوقت إلى عوائق ذهنية عسيرة التجاوز.
في المقابل، نجحت إيران في تخليص نفسها من 'اختزالية التيار الإخباري' الذي كان يرفض الاجتهاد ويتمسك بظواهر النصوص. هذا الانتصار للتيار الأصولي مهد الطريق لظهور دور حقيقي للمجتهد الشيعي، مما جعل من علم أصول الفقه أداة لتأويل النصوص واستنباط الأحكام في القضايا المستجدة.
أدى هذا التحول المعرفي إلى تبلور قيادة المرجعية وصيرورة دور العلماء كمركز ثقل فعال لا يمكن تجاوزه في الدولة والمجتمع. وبات المجتهد الشيعي يُنظر إليه كنائب عن الإمام الغائب، مما أعاد تفعيل فرائض دينية كانت معطلة في السياقات الإخبارية السابقة، ومنح المؤسسة الدينية شرعية تاريخية.
تاريخياً، كان التشيع الإسماعيلي هو الأقوى حضوراً في إيران حتى أواخر العصر العباسي، لكن الغزو المغولي حطم هذا الوجود. هذا التحول أفسح المجال لاتساع نطاق التشيع الاثني عشري تدريجياً، والذي اختلط بمؤثرات صوفية وعرفانية شكلت الملامح الرئيسة للحياة الدينية قبل بزوغ الدولة الصفوية.
💬 التعليقات (0)