الكاتب: عضو نقابة الصحفيين الفلسطينيين- الدكتور وسيم وني
حين أكتب عن القدس لا أكتب عن مدينة بعيدة تسكن خرائط الجغرافيا بل أكتب عن جزء أصيل من هويتي الفلسطينية، وعن حكاية شعب ما زال يحمل مفاتيح الذاكرة جيلاً بعد جيل أكتب عن مدينة تختصر تاريخًا من الصمود والوجع والأمل، وعن أرضٍ لم تكن يومًا مجرد حجارة وأسوار بل كانت وما زالت عنوانًا للكرامة الوطنية والروحية لشعب فلسطين وأمتنا العربية والإسلامية ، وبصفتي فلسطينيًا، فإن الحديث عن المسجد الأقصى لا ينطلق من موقف سياسي فحسب، بل من شعور عميق بالانتماء إلى قضية تمس الوجدان والهوية والتاريخ فالأقصى ليس معلمًا دينيًا عاديًا بل شاهدٌ حيّ على محاولات متواصلة لفرض واقع جديد في القدس المحتلة وعلى معركة مفتوحة بين أصحاب الحق ومشروع استعماري يسعى إلى تغيير ملامح المكان وطمس روايته الأصيلة.
ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن اقتحامات المسجد الأقصى لا يمكن أن يكون مجرد متابعة لحدث متكرر أو خبر عابر ينتهي بانتهاء ساعات الاقتحام، بل هو قراءة في مشروع سياسي واستعماري متكامل يسعى إلى فرض وقائع جديدة داخل المدينة المقدسة، وتغيير معالمها وهويتها وطبيعة العلاقة التاريخية التي تربط أبناء شعبنا الفلسطيني والمسلمين بأقدس مقدساتهم.
لقد أصبحت الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى واحدة من أخطر مظاهر التصعيد الإسرائيلي في القدس المحتلة، حيث تترافق مع إجراءات قمعية تستهدف المصلين والمرابطين وحراس المسجد، ومع محاولات متواصلة لفرض سيطرة أكبر على المكان وتكريس حضور استيطاني متنامٍ داخل باحاته وبينما يواصل الاحتلال تسويق هذه الممارسات تحت ذرائع مختلفة تزداد المؤشرات التي تؤكد أن ما يجري يتجاوز حدود الإجراءات الأمنية إلى محاولة ممنهجة لإعادة تشكيل الواقع القائم في المسجد المبارك.
وهنا السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ماهو المسوغ الرئيسي لاقتحام الأقصى من جديد، بل لماذا أصبحت هذه الاقتحامات تتكرر بصورة منهجية ومتواصلة وعلى مرأى وسائل الإعلام؟ وما هي الأهداف الحقيقية التي تقف خلف هذا التصعيد المستمر؟ وما الهدف الرئيسي الذي يسعى الاحتلال إلى تحقيقه من خلال هذه الممارسات التي تثير الغضب في الشارع الفلسطيني والعربي والإسلامي في كل مرة تتجدد فيها هذه الممارسات ؟
بالطبع لا يمكن فهم ما يجري في المسجد الأقصى بمعزل عن الصراع الدائر على مدينة القدس المحتلة فالقدس بالنسبة للاحتلال ليست مجرد مدينة بل هي تمثل محورًا أساسيًا في المشروع الإسرائيلي الهادف إلى تكريس السيطرة الكاملة على المدينة وفرض هوية جديدة عليها بتجاهل وتغييب تاريخها العربي والإسلامي والمسيحي ، ويحتل المسجد الأقصى مكانة استثنائية في هذا الصراع ليس فقط بسبب قداسته الدينية وإنما لأنه يشكل أحد أبرز رموز السيادة والوجود الفلسطيني في القدس لذلك ينظر الاحتلال إلى الأقصى باعتباره ساحة مركزية يسعى من خلالها إلى تثبيت معادلات سياسية جديدة على الأرض مستفيدًا من القوة العسكرية والدعم السياسي الذي يحظى به والمناخ الإقليمي والدولي ، ومن هنا فإن كل اقتحام جديد لا يمكن اعتباره حدثًا منفصلًا عن سياقه العام، بل هو حلقة متكاملة ضمن سلسلة طويلة من الإجراءات والممارسات التي تستهدف تغيير الواقع القائم تدريجيًا، وفرض مفهوم جديد للسيطرة داخل المسجد المبارك.
💬 التعليقات (0)