الأحد 07 يونيو 2026 9:56 صباحًا - بتوقيت القدس
في الرابع من حزيران من كل عام، يستحضر الفلسطينيون آخر يوم سبق حرب عام 1967، اليوم الذي سبق النكسة التي غيّرت وجه المنطقة وأدخلت الشعب الفلسطيني في مرحلة جديدة من الاحتلال العسكري ما زالت مستمرة حتى اليوم. وبعد تسعة وخمسين عاماً، لا تبدو النكسة مجرد حدث من الماضي، بل تبدو واقعاً سياسياً وقانونياً وإنسانياً ما زالت تداعياته تتجدد بأشكال مختلفة على الأرض الفلسطينية.لقد شكّلت حرب عام 1967 نقطة تحول مفصلية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وأنتجت منظومة قانونية دولية واضحة تمثلت في قراري مجلس الأمن 242 و338، اللذين أكدا مبدأ أساسياً في القانون الدولي مفاده أن الاستيلاء على الأراضي بالقوة أمر غير مقبول، وأن السلام العادل والدائم لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال إنهاء الاحتلال واحترام حق الشعوب في تقرير مصيرها. وعلى مدى عقود، شكّلت هذه المرجعيات الأساس السياسي والقانوني لما عُرف لاحقاً بحل الدولتين الذي اتى كمقترح من لمجتمع الدولي على حدود الرابع من حزيران علما ان نكبة 1948 هي حية في الذاكرة الوطنية وعمليات التهجير وما نتج من لجوء واستيلاء على الأرض وبقبول م ت ف حل الدولتين تعبر منظمة التحرير الفلسطينية عن نيتها ورغبتها في الحل السلمي بقبولها حق تقرير المصير لدولتين، باعتباره الصيغة الأكثر قبولاً دولياً لتحقيق الأمن والسلام للفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. إلا أن هذا الحل يواجه اليوم أخطر اختبار في تاريخه، ليس بسبب غياب المبادرات السياسية فحسب، بل بسبب الوقائع التي تُفرض يومياً على الأرض وبسبب سياسة الاستيطان المستمرة التي تقوض الحل من ناحية جيوسياسية بدون مساءلة.وما بين البؤر والحواجز العسكرية والجدران والطرق الالتفافية والتوسع الاستيطاني والاعلام، يتكرس واقع يتناقض بصورة مباشرة مع الأسس التي قام عليها حل الدولتين فنشهد محاولة مستمرة لفرض السيادة بالقوة على أرض لا يعترف القانون الدولي بسيادة إسرائيل عليها. ومن هنا، لا بد من التوقف عند قضية الاستيطان التي أصبحت جوهر الأزمة وليس هامشها. فالمشكلة لا تكمن فقط في أعمال العنف التي يرتكبها بعض المستوطنين، رغم خطورتها، بل في المشروع الاستيطاني برمته. إن فرض عقوبات على ما يسمى "المستوطنين العنيفين" لا يعالج أصل المشكلة، لأن قرار مجلس الأمن 2334 كان واضحاً عندما أكد أن جميع المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، لا تمتلك أي شرعية قانونية وتشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي.ولهذا، فإن أي حديث جاد عن السلام يجب أن يبدأ من الاعتراف بهذه الحقيقة القانونية. فلا يمكن حماية حل الدولتين في الوقت الذي يجري فيه تقويض الأرض التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية المستقبلية. كما لا يمكن للمجتمع الدولي أن يطالب الفلسطينيين بالإيمان بالحل السياسي بينما تستمر سياسات الضم الفعلي والاستيطان وتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي على الأرض بينما إسرائيل مفلتة من العقاب.ذكرى النكسة هذا العام تحمل بعداً أكثر إيلاماً. فغزة ما زالت ترزخ تحت الإبادة والاستهداف والتهجير والنزوح الجماعي والانهيار الإنساني غير المسبوق. وبينما ينشغل العالم بأزمات متعددة، يعيش أكثر من مليوني فلسطيني واقعاً لا يجوز أن يصبح طبيعياً أو مقبولاً أو مألوفاً في ضمير الإنسانية. ليس طبيعياً أن يقضي الأطفال شهوراً طويلة في الخيام أو بين أنقاض منازلهم. وليس طبيعياً أن تتحول المساعدات الإنسانية إلى أداة للضغط أو المساومة. وليس طبيعياً أن تُستهدف المدارس والمستشفيات والجامعات والبنية التحتية المدنية بصورة تجعل الحياة نفسها موضع تهديد دائم. والأخطر من كل ذلك هو الحلول الموقتة واستيلاء إسرائيل على الأرض ومحاولات تطبيع هذا الواقع والتعامل معه باعتباره أمراً عادياً أو انتقاليا لان تجارب الماضي علمتنا أن الحلول الموقتة تتحول لوضع قائم تحت الاحتلال.الفلسطينيون يطالبون بما يطالب به أي شعب في العالم: الحرية والكرامة والأمن والسلام. فالفلسطيني ليس ضد السلام، بل إن معاناته الطويلة هي ما يجعله أكثر إدراكاً لقيمة السلام الحقيقي. لكن السلام لا يمكن أن يُفرض عبر القوة العسكرية، ولا عبر التهجير، ولا عبر إدارة الصراع إلى ما لا نهاية. السلام المستدام يبدأ بالعدالة، ويبدأ بإنهاء الاحتلال، ويبدأ بالاعتراف المتبادل بالحقوق الوطنية المشروعة.وفي هذا السياق، فإن غزة ليست قضية إنسانية فقط، بل قضية سياسية واستراتيجية تتعلق بمستقبل المنطقة بأسرها. فغزة ليست ملفاً منفصلاً عن الضفة الغربية، وليست قضية إغاثية مؤقتة، بل جزء أصيل من الأرض الفلسطينية التي يفترض أن تقوم عليها الدولة الفلسطينية المستقلة. وأي رؤية تتعامل مع غزة بمعزل عن الضفة الغربية والقدس الشرقية إنما تساهم في تكريس الانقسام وإضعاف فرص السلام. وهنا تكمن المسؤولية الفلسطينية في تمثيل الشعب الفلسطيني باطار وحدوي وجامع تحت مظلة منظمة التحرير.لقد اعترفت غالبية دول العالم بدولة فلسطين، كما أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الأخير عدم قانونية استمرار الاحتلال الإسرائيلي وضرورة إنهائه. لكن الاعترافات والبيانات والقرارات الأممية لم تعد كافية، فالمطلوب اليوم هو الانتقال من مرحلة التعبير عن القلق والتصريحات الشفوية والحضارية والذرائع ومبررات الوضع إلى مرحلة تطبيق القانون الدولي ومحاسبة من ينتهكه دون استثناء او انتقائية، لأن استمرار الإفلات من العقاب لا يهدد الحقوق الفلسطينية فحسب، بل يقوض مصداقية النظام الدولي نفسه.بعد تسعة وخمسين عاماً على النكسة، فإن إنهاء الاحتلال ليس مطلباً فلسطينياً فحسب، بل ضرورة لتحقيق الاستقرار الإقليمي والأمن الدولي. ومن دون إنهاء الاحتلال والاستيطان، والحفاظ على وحدة الأرض الفلسطينية بين غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، سيبقى حل الدولتين مجرد شعار سياسي يبتعد أكثر فأكثر عن الواقع.أما إذا أراد العالم إنقاذ السلام وحل الدولتين، فعليه أولاً أن ينقذ العدالة، لأن السلام لا يُبنى على القوة، ولا على الاحتلال، ولا على المستوطنات والاجرام، بل على الاعتراف واحترام حقوق الشعوب في تقرير مصيرها وانهاء الاحتلال والاستعمار وضمان انفاذ القوانين دون انتقائية.
النكسة بعد 59 عاماً وحل الدولتين
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
💬 التعليقات (0)