لم يعد يخفى على المتابع أن رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو يمارس إرهاب الدولة في قطاع غزة تحت ذرائع أمنية واهية بينما الهدف الحقيقي هو توظيف المجازر لخدمة أجندته الانتخابية في ظل ضعفه الداخلي المتنامي، فمنذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار وهو يراوغ في تنفيذ استحقاقات المرحلة الأولى عبر المماطلة في الانسحاب من غزة ومنع إدخال المساعدات وتفخيخ جولات التفاوض ليفجر الوضع ويعود للقتل، ومن زاوية اخري الوسيط الأمريكي الذي يقدم نفسه كصانع سلام لا يمارس أي ضغط حقيقي لوقف حرب الإبادة بل يكتفي بإدانة خجولة بينما تتواصل جسور الإمداد العسكري الجوي والبحري لتل أبيب.
ان التهرب من استحقاقات الاتفاق ليس منعزلا بل هو امتداد لاستراتيجية تهرب شاملة من استحقاقات القانون، فنتنياهو يخوض معركة وجودية على جبهة المحكمة المركزية في القدس حيث يواجه تهما بالرشوة والاحتيال وخيانة الأمانة، ومنذ بدء الحرب وهو يستخدم حجة الانشغال بالعمليات العسكرية للتغيب عن جلسات محاكمته في سابقة خطيرة حولت القضاء إلى رهينة بيد متهم،وقد ندد قضاة المحكمة مرارا بمماطلته لكنه يرد بتشريعات تسعى لتقويض جهاز القضاء وتجريد المستشارة القضائية من صلاحياتها،هذا التهرب القضائي يقترن بعملية إحلال واسعة في قمة الأجهزة الأمنية حيث أقال نتنياهو رئيس الشاباك رونين بار الذي كان يحقق في علاقة مقربين منه بقضايا فساد ودفع بتعيينات موالية في الموساد وجهاز الأمن العام هذه التعيينات علق عليها المحلل العسكري في هآرتس "عاموس هارئيل" بالقول: إن إسرائيل تتحول إلى دولة موز يرسم رئيس حكومتها خرائط الأمن وفق بقائه وليس وفق العقيدة القتالية مضيفاً أن تحويل الشاباك والموساد إلى أدوات سياسية هو انتحار مؤسسي يذكر بجمهوريات الموز التي تدمر أجهزة رقابتها كي لا تمس الحاكم.
ولم تقتصر الإقالات على الشاباك بل امتدت لمحاولة فرض قيادات موالية على رأس الأجهزة الحساسة في سيناريو استدعى مقارنات مع زعماء دول الموز الذين يزرعون المصفقين في أجهزة الأمن، وقد حاول نتنياهو تعيين الأدميرال المتقاعد إيلي شرفيت رئيسا للشاباك رغم عدم امتلاكه الخبرة الأمنية المناسبة لكنه اضطر للتراجع تحت ضغط شعبي وقضائي في مشهد عبثي يليق بدول الموز وفي السياق ذاته قال وزير الدفاع الأسبق موشيه يعلون إن نتنياهو يحول إسرائيل إلى ديكتاتورية تقوم على إرهاب المستوطنين ويدمر الجيش.
أما الموقف الأمريكي فيشكل الغطاء السياسي والقانوني لهذا الإرهاب فالحديث عن وسيط نزيه سقط حين استخدمت واشنطن حق النقض مرات متتالية في مجلس الأمن لحماية إسرائيل من الإدانة وحين رفدت جيشها بذخائر اختراق التحصينات والقنابل الثقيلة التي دكت أحياء غزة ،وفي قلب هذا الانحياز المؤسساتي تبرز صراحة دونالد ترامب الذي سجلت له مكالمة شتم فيها نتنياهو بأقذر الألفاظ وأبلغه أنه معقد ومستفز ثم قيد يديه تماما في لبنان وأجبره على وقف إطلاق النار مع حزب الله تحت سقف لم يسمح بتوسيع العمليات في قيروت ،تلك المكالمة التي جردته من وهم النصر المطلق أظهرت أن الإرهاب في غزة ليس سوى ورقة مساومة انتخابية بين الحليفين.
بل إن ترامب هدد بوقف المساعدات العسكرية إذا لم يلتزم بوقف النار في لبنان مما كشف أن أداة الضغط الأمريكية متوفرة لكنها لا تستخدم في غزة لأن الدم الفلسطيني لا يحرك ضمير البيت الأبيض ، وكشف ذلك أن القرار ليس في تل أبيب بل في واشنطن وأن العنف في غزة مستمر ليس لأن إسرائيل لم تنجز أهدافها بل لأن تمديد الحرب يصب في خدمة المواسم الانتخابية الأمريكية والإسرائيلية معا، ان ضعف نتنياهو الانتخابي يجعله رهينة لهذا الوضع فاستطلاعات الرأي تظهر أن كتلته لا تتجاوز 52 مقعدا بينما يتقدم غانتس بفارق مريح وهذا ما يفسر هوسه بتمديد القتال لإخفاء الفشل وإعادة تعبئة قاعدته اليمينية.
المعارضة الإسرائيلية نفسها باتت تتبنى لغة العالم الثالث في وصف حكومة بلادها ، فهذا يائير لابيد زعيم المعسكر المعارض هاجم نتنياهو قائلا إنه يدير إسرائيل كزعيم مليشيا وليس كرئيس وزراء ويحولها إلى جمهورية موز حيث لا مؤسسات ولا قانون بل مجرد مزاج شخصي يحكمه خوف السجن. وهناك بيني غانتس الذي انسحب من حكومة الطوارئ أكد أن استمرار العمليات العسكرية في غزة يخدم فقط بقاء المتهم الأول في كرسيه وأن الجيش منهك في حرب بلا أفق سياسي، وهنالك رئيس الموساد السابق تامير باردو الذي حذر من أن القرارات العسكرية تخضع لاعتبارات شخصية وأن الجيش يدار بمنطق الزعيم لا بمقتضيات الأمن القومي، وصحيفة يديعوت أحرونوت نشرت مقالا وصفت فيه تكتيكات نتنياهو بأنها إرهاب الحلول الانتخابية فهو يريد مكاسب تكتيكية تصلح للدعاية الانتخابية وليس سلاما استراتيجيا هذا كله كله يتفق مع ما قاله المحلل السياسي نداف إيال كتب أن استمرار إفشال مفاوضات التهدئة سببه خوف رئيس الحكومة من اليوم التالي حيث لا حرب تحميه من كرسي المتهمين.
💬 التعليقات (0)