لا تبدو أزمة الدينار الأردني في قطاع غزة أزمة عملة بالمعنى التقليدي، فالدينار لا يعاني من تراجع في قيمته الحقيقية أو ضعف في أسسه الاقتصادية، بل يرتبط بالدولار الأميركي ويحافظ على استقرار نسبي مقارنة بالعديد من العملات في المنطقة.
لكن ما يحدث اليوم يكشف عن أزمة أعمق تتمثل في تراجع الثقة بآليات السوق المحلية واختلال التوازن بين العرض والطلب على السيولة النقدية. على مدار عقود، شكّل الدينار الأردني ملاذا آمنا للمدخرات وأداة رئيسية في المعاملات الكبرى مثل العقارات والذهب والمهور.
غير أن الظروف الاقتصادية الاستثنائية التي يعيشها قطاع غزة، وما رافقها من شح حاد في السيولة النقدية وتراجع النشاط التجاري، أدت إلى ظهور سوق مشوهة تفرض واقعا مختلفا عن القيمة الحقيقية للعملة.
المشكلة الأساسية لا تكمن في الدينار نفسه، وإنما في صعوبة تداوله نقدا داخل السوق، فعندما يُجبر المواطن على صرف مدخراته بخسارة تتجاوز 30% من قيمتها، فإننا لا نتحدث عن فرق طبيعي في سعر الصرف وإنما عن تكلفة مرتفعة ناتجة عن اختلالات في سوق السيولة. وفي مثل هذه الظروف، تصبح العملة ضحية لبيئة اقتصادية غير مستقرة حتى وإن كانت قوية من الناحية المالية.
الأخطر من ذلك أن استمرار هذه الظاهرة يهدد سلوك الادخار لدى المواطنين، فحين يفقد الناس الثقة بقدرتهم على استخدام مدخراتهم مستقبلا بالقيمة العادلة، فإنهم قد يعزفون عن الاحتفاظ بالدينار أو أي أصول نقدية أخرى، ما يزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي ويضعف قدرة الأسر على التخطيط المالي طويل الأجل.
في المقابل، تشير بعض المؤشرات إلى أن الحل قد يكون في تعزيز أدوات الدفع والتحويل الإلكتروني حيث يجري التعامل بالدينار وفق سعره الحقيقي داخل النظام المصرفي. إلا أن هذا الحل يظل جزئيا ما لم يترافق مع إجراءات رقابية وتنظيمية تحد من التلاعب بأسعار الصرف وتضمن شفافية أكبر في سوق العملات.
💬 التعليقات (0)