عضو الجمعية السعودية للعلوم السياسية.
تدخل البيئة الخليجية مرحلة أكثر تعقيدا من مجرد التنافس بين محاور إقليمية، إذ يجري العمل على إعادة هندسة مفهوم الأمن الخليجي نفسه، بحيث لا يعود قائما فقط على التهدئة الإقليمية أو على المظلة الأمريكية بل على التوازنات الدولية، وعلى إدماج إسرائيل بوصفها فاعلا أمنيا منتجا للردع والهندسة الاستخبارية، والتكنولوجية بديلا عن الغطاء الأمريكي.
ولذا يمكن القول إن البيئة الخليجية تتحرك اليوم في فضاء جيوسياسي شديد السيولة، حيث لم يعد الأمن الإقليمي نتاجا للتوازنات المحلية وحدها، بل انعكاسا لصراع القوى العظمى المشتعل. ففي ظل التنافس المحتدم بين الولايات المتحدة، التي تسعى للحفاظ على هيمنتها التاريخية، والصين، التي تمد أذرعها الاقتصادية واللوجيستية عبر الممرات البحرية وسلاسل الإمداد، ومحاولات روسيا اختراق المشهد الأمني عبر بوابة النفوذ الإستراتيجي، بات الخليج "عقدة الربط" في الإستراتيجية الكونية الكبرى.
وفي خضم هذا التنافس، تجري إعادة هندسة لمفهوم الأمن الخليجي؛ إذ لم يعد قائما على "المظلة الأمريكية" التقليدية أو التهدئة الإقليمية فحسب، بل يتم الدفع بإسرائيل لتكون فاعلا أمنيا منتِجا للردع والتقنية الاستخبارية.
هذا التحول ليس بسيطا؛ لأنه ينقل الخليج من موقع "الكتلة التي تبحث عن حماية" إلى موقع "الساحة التي يعاد تعريف حمايتها" وفقا لأولويات قوى خارجية متداخلة، وفي لحظة تعيد فيها دول الخليج أصلا تفسير أمنها الوطني باعتباره ممتدا إلى المجال الجوي، والممرات البحرية، والبنية الاقتصادية العابرة للحدود، والفضاء الحيوي بشكل عام.
في هذا السياق، يصبح محاولة البعض تقسيم المواقف الخليجية إلى "صقور" و"حمائم" أداة خطابية فقط لتقنين انقسام أعمق: هل يكون أمن الخليج أولوية خليجية مستقلة؟ أم جزءا من بنية أمنية تقودها إسرائيل وربما مع الولايات المتحدة ضد خصومهما الإقليميين والدوليين؟
💬 التعليقات (0)