على امتداد عقود الصراع الطويلة، انشغل الفلسطينيون بسؤال القيادة أكثر مما انشغلوا بسؤال القوة. تعاقبت القيادات، وصعدت تنظيمات وتراجعت أخرى، وتبدلت البرامج والشعارات، لكن الواقع ظل يفرض السؤال ذاته: أين تكمن القوة الفلسطينية الحقيقية؟
كثيرًا ما يجري اختزال الأزمة الفلسطينية في أزمة قيادة أو أزمة تنظيمات سياسية، وكأن تغيير الأشخاص أو تبديل المواقع كفيل بإحداث تحول جوهري في الواقع. غير أن مراجعة هادئة للتجربة الفلسطينية تقود إلى استنتاج مختلف؛ فالقوة الحقيقية لم تكن يومًا حكرًا على قائد أو فصيل أو مؤسسة، بل كانت كامنة في المجتمع الفلسطيني نفسه، في قدرته الاستثنائية على الصمود والبقاء والمحافظة على هويته الوطنية رغم كل التحولات والضغوط.
فالاحتلالات الطويلة لا تواجه الجيوش فقط، بل تواجه الشعوب. وقد تستطيع قوة عسكرية أن تنتصر في معركة أو تفرض سيطرتها على الأرض، لكنها تواجه معضلة أكثر تعقيدًا عندما تجد نفسها أمام شعب يرفض الاستسلام أو الذوبان أو التخلي عن روايته الوطنية. لذلك لم يكن سر استمرار القضية الفلسطينية طوال هذه العقود هو التفوق العسكري أو الاقتصادي، بل قدرة المجتمع الفلسطيني على إعادة إنتاج نفسه جيلاً بعد جيل، وعلى الحفاظ على حضوره الوطني رغم كل محاولات الإضعاف والاستنزاف.
من هنا تبدو القوة الفلسطينية الحقيقية كامنة في الإنسان الفلسطيني ذاته؛ في الطالب الذي يتمسك بحقه في التعليم، وفي المزارع الذي يحافظ على أرضه، وفي العامل الذي يواصل البحث عن حياة كريمة، وفي الأسرة التي تنقل الذاكرة الوطنية إلى أبنائها، كما في ملايين الفلسطينيين داخل الوطن وخارجه الذين حافظوا على انتمائهم وهويتهم رغم تغير الأمكنة والظروف.
غير أن امتلاك القوة شيء، والقدرة على توظيفها وتحويلها إلى فعل سياسي مؤثر شيء آخر. وهنا تبدأ المعضلة الفلسطينية الأكثر عمقًا. فالشعب يمتلك طاقة هائلة، لكن هذه الطاقة لا تتحول بالضرورة إلى قوة منظمة قادرة على فرض حضورها في المعادلة السياسية. وبين القوة الكامنة والفعل المؤثر تقف مجموعة من العوائق البنيوية التي تراكمت عبر الزمن.
ولعل أبرز هذه العوائق يظهر في العلاقة المعقدة بين المجتمع الفلسطيني والسلطة الفلسطينية. فمنذ تأسيس السلطة نشأت بنية سياسية وإدارية صُممت أساسًا ضمن تصور يقوم على بناء مؤسسات الدولة وإدارتها. ومع مرور الوقت تشكلت منظومة كاملة من القوانين والأجهزة والوظائف والمصالح والثقافة السياسية التي تستمد منطقها من فكرة الدولة أكثر مما تستمده من منطق حركات التحرر الوطني.
💬 التعليقات (0)