العودة من الحج لا تشبه أي سفر آخر. لسنوات طويلة اعتاد المصريون أن يودعوا الحاج باستقبال رسمي وشعبي: رسومات الكعبة والطائرة أو السفينة على جدران البيوت، الولائم في انتظار العائد، فرق المزمار البلدي عند باب البيت، وذبائح تُنحر على قدميه.
ثم تأتي اللحظة الأهم لأهل الحاج وجيرانه، وهي فتح الحقيبة وتوزيع الهدايا التي تحمل "رائحة مكة" و"طيف المدينة المنورة".
اليوم تبدلت الطقوس، اختفت رسومات الجدران والتهم التضخم الذبائح والولائم وحلت سجادة الصلاة ومسبحة من الحسين محل مثيلاتها التي كانت تأتي من جوار النبي.
تغيرت رحلة الحج نفسها، خفّت مشقة السفر وبقيت فرحة الاستطاعة، لكن هدايا "المقدرة" تراجعت. بحث الحجاج المصريون عن مخرج يمنحهم هدايا أقل كلفة للأهل والأصدقاء، فوجدوا في الأزهر والحسين في قلب القاهرة سوقا بديلا عن أسواق المدينة المنورة ومكة.
"التربيعة" في الأزهر وسوق "أم الغلام" بجوار الحسين أغنت كثيرين عن التكلفة الباهظة للهدايا القادمة من "أرض الحجاز" كما يسميها الحاج علي العدوي، الذي سافر للحج عام 1990 في الخمسين من عمره، ترافقه زوجته، في رحلة كلفت 4 آلاف جنيه فقط (الدولار كان يساوي نحو 3 جنيهات آنذاك)، شملت السفر والتأشيرة والإقامة والملابس الجديدة وملابس الإحرام والهدايا.
يتذكر أبناؤه حتى اليوم ما حمله معهم: ساعة يد لكل ولد، بطانية لجهاز كل ابنة، وحقيبة ممتلئة بالجلابيب البيضاء والسبح وسجاجيد الصلاة، كلها تغشاها رائحة المسك.
💬 التعليقات (0)