أمد/ المقدمة: السياسة كأداة للبقاء
في قراءة متأنية للمشهد الإيراني الراهن، يبرز تساؤل جوهري حول طبيعة العقد الاجتماعي بين السلطة والمجتمع في طهران. لم تعد التحديات التي يواجهها النظام الإيراني مقتصرة على الضغوط الخارجية أو العزلة الدولية، بل انتقلت إلى قلب المعادلة الداخلية؛ حيث تتقاطع الأزمات الاقتصادية مع تآكل الشرعية السياسية. وتشير المعطيات الميدانية، المستندة إلى تقارير رصد دولية ومتابعات إعلامية مستقلة، إلى أن النظام بات يعتمد بشكل متزايد على سياسات الترهيب الأمني كآلية وحيدة للالتفاف على الانفجار الشعبي الوشيك، مما يعكس تحولاً في استراتيجية بقائه من "الاحتواء السياسي" إلى "الإخضاع القسري".
جذور المواجهة: مسار ممتد من الصراع
تفيد تحليلات مراكز الرصد بأن المواجهة الحالية ليست طارئة، بل هي نتاج تراكمي لسياسات بدأت منذ عقود. ويشير المراقبون، ومن بينهم دكتور مجيد صادق بور، المدير السياسي لمنظمة المجتمعات الإيرانية الأمريكية، إلى أن النقطة الفاصلة في علاقة النظام بالمجتمع بدأت تتضح معالمها منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حين اتخذت الدولة خيار المواجهة العنيفة مع الاحتجاجات السلمية. إن التمادي في استخدام العنف، وتصاعد وتيرة عمليات الإعدام التي تستهدف فصائل المعارضة المنظمة، يشي بأن النظام ينظر إلى أي حراك سياسي مستقل بوصفه تهديداً وجودياً، وليس مجرد معارضة فكرية، وهو ما يفسر حدة الإجراءات القضائية الأخيرة ضد السجناء السياسيين المنتمين لمنظمة مجاهدي خلق الإيرانية.
هشاشة النظام: بين الرهان على الأزمات والانهيار الداخلي
يرى المحللون السياسيون أن النظام في طهران يمر اليوم بأكثر مراحله حرجاً وهشاشة. فبينما يراهن الخطاب الرسمي على "الذرائع الخارجية" لتوحيد الجبهة الداخلية، تظهر المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية أن الرصيد الشعبي للنظام في تراجع مستمر. هذا "الوهن البنيوي" يدفع النخبة الحاكمة إلى تحويل الداخل إلى سجن كبير، معتقدة أن تكثيف آلة القمع سيكفي لإخماد طوفان الغضب الجماهيري. لكن، ومن منظور جيوسياسي، فإن الاعتماد المفرط على الأمن يغفل حقيقة أن التغيير الهيكلي في الدول يتسارع عندما تفقد السلطة قدرتها على تقديم "عقد اجتماعي" يوفر الحد الأدنى من الكرامة والرفاه للمواطنين.
💬 التعليقات (0)