تقول غزالتي ان غزتنا ليست ديانة ترتد عنها ولا وطناً تُغادره وتمضي،انها الروح ،فلو تناءت ستتهاوى بها سمائها فوق ارضها، منذ عامين ونصف وغزالتي تتنقل من مخيم إلى آخر؛ مخيم لا يحمي من مياه المطر ولا يقي حرّ الشمس، مخيم الخصوصية فيه عملة نادرة، فلا غذاء ولا دواء ولا ماء ولا كهرباء، وكل هذا الغياب يبرره أزيز الطائرات وهدير الدبابات وفرقعة الصواريخ، فأكثرها ذكاءٌ غبي.
في هذا المخيم الأخير، والمقام على الركام، حيث لا يحتاج الركام إلى تعريف، ولا تحتاج الجدران المهدمة إلى شرح، لأن كل شيء هنا يُعرّف نفسه بنفسه، تعيش غزالتي رشا. تجوب وقطتها الأزقة كما يفعل الآخرون، تحمل يومها مثلما يحمله الجميع، وتبدو في ظاهرها جزءًا من هذا المشهد الذي تعود الناس أن يروه كل يوم حتى صار مألوفًا، لكن ما لا يبدو مألوفًا أبدًا هو ذلك البعد الذي يسكن رشا وقطتها، ذلك الانفصال الهادئ بين الجسد والمشهد، بين الحضور والمغادرة، بين الواقع وما يتجاوزه.
رشا، كما أعرفها، ليست مجرد إنسانة تحمل اسمًا جميلًا، بل هي إنسانة يحمل اسمها معنى أكبر منها ومن المكان الذي تعيش فيه. فـ"رشا" في اللغة هي الغزالة الصغيرة، والغزالة، كما نعرفها، لا تُصنع للأمكنة الضيقة، ولا تتعلم العيش بين الركام، ولا تقبل أن يُختزل الأفق إلى زاوية شارع أو نهاية حارة. ومع ذلك، ها هي هنا، في أكثر الأماكن ضيقًا من حيث المعنى قبل الجغرافيا، تمشي بخطوات هادئة وكأنها تحاول أن تتصالح مع عالم لم يُخلق على مقاسها.
لكن التناقض الحقيقي لا يكمن في المكان وحده، بل في الطريقة التي تعيش بها هذا التناقض. ففي حياتها اليومية، لا شيء يلفت الانتباه للوهلة الأولى: تفاصيل عادية، حضور عادي، حركة عادية داخل فضاء غير عادي. إلا أن من يقترب قليلًا من لحظاتها الصامتة، من تلك الثواني التي تتوقف فيها دون سبب ظاهر، سيدرك أن هناك حياة أخرى تحدث في مكان غير مرئي. كأنها تعيش طبقتين من الوجود في وقت واحد: طبقة تمشي فيها على الأرض، وطبقة أخرى تتحرك فيها بعيدًا عنها دون أن تغادرها فعليًا.
يكفي أن تسكت رشا للحظة، أو أن ترفع عينيها نحو نقطة بعيدة لا يلتفت إليها أحد، حتى يبدأ شيء غير قابل للتفسير. لا يتغير المكان، لكن طريقة رؤيته تتغير، لا يختفي الركام، لكن ثقله يتراجع قليلًا، لا تنفتح الجدران، لكن المسافة بينها تصبح أقل قسوة، وكأن نظرتها وحدها قادرة على إعادة ترتيب العالم، أو على الأقل إعادة ترتيب موقعها منه.
كنت أراقب ذلك بصمت طويل، وأفكر أن بعض البشر لا يعيشون حياتهم في ما يفعلونه، بل في ما يتخيلونه وهم يفعلون. غزالتي رشا واحدة من هؤلاء، ليس لأنها تهرب من الواقع، بل لأنها لا تقبل أن يكون الواقع هو النسخة الوحيدة الممكنة من العالم. هناك دائمًا، في داخلها، هامش آخر للحياة، مساحة لا تخضع لقيود المكان ولا لصرامة التفاصيل اليومية.
💬 التعليقات (0)