واشنطن – سعيد عريقات-4/6/2026
إنّ النقاش حول التشرذم الحزبي في العالم العربي، ومراجعة التجارب الحزبية، وأهمية التنظيم السياسي في مواجهة العفوية، ليس مجرد نقاش تنظيمي أو فكري ضيق، بل هو جزء من سؤال تاريخي أكبر يتعلق بأسباب تعثر مشاريع النهضة والتحرر والديمقراطية في المنطقة العربية خلال القرن الماضي.
فمنذ بدايات القرن العشرين، ومع انهيار الدولة العثمانية وظهور الدول العربية الحديثة تحت مظلة الاستعمار الأوروبي، برزت الحاجة إلى أطر سياسية منظمة تعبّر عن تطلعات المجتمعات العربية نحو الاستقلال وبناء الدولة. هكذا نشأت الأحزاب السياسية الأولى، سواء كانت أحزابًا وطنية مناهضة للاستعمار، أو أحزابًا قومية، أو يسارية، أو إسلامية. وقد لعبت هذه الأحزاب دورًا محوريًا في قيادة حركات التحرر الوطني وفي تشكيل الوعي السياسي الحديث.
لكن التجربة الحزبية العربية واجهت منذ وقت مبكر تحديات عميقة. فبعد الاستقلال، تحولت كثير من الدول العربية إلى أنظمة سلطوية قامت إما بتهميش الأحزاب أو احتوائها أو القضاء عليها بالكامل. وفي حالات أخرى، نشأت تعددية حزبية شكلية افتقرت إلى المنافسة الحقيقية. ونتيجة لذلك، لم تتطور الأحزاب بوصفها مؤسسات ديمقراطية مستقرة، بل بقيت في كثير من الأحيان رهينة الشخصيات الكاريزمية أو الانقسامات الأيديولوجية الحادة أو الولاءات الجهوية والطائفية والعشائرية.
ومن هنا يبرز الحديث عن التشرذم الحزبي. فالتشرذم ليس ظاهرة جديدة في الحياة السياسية العربية. فقد شهدت الحركات القومية واليسارية والإسلامية على السواء انقسامات متتالية منذ خمسينيات القرن الماضي. وغالبًا ما كانت الخلافات الفكرية أو الشخصية تتحول إلى انشقاقات تنظيمية تنتج أحزابًا وجماعات جديدة، بحيث يصبح الانقسام أسهل من إدارة الاختلاف داخل المؤسسة الواحدة. ومع مرور الزمن، أدى ذلك إلى استنزاف الطاقات السياسية وإضعاف القدرة على بناء مشاريع وطنية جامعة.
غير أنّ الاعتراف بهذه المشكلة لا ينبغي أن يتحول إلى إدانة لفكرة الأحزاب ذاتها. فالتاريخ السياسي الحديث يبيّن أن الأحزاب، رغم عيوبها، كانت ولا تزال الأداة الأساسية لتنظيم المشاركة السياسية وتداول الأفكار وصياغة البرامج وتدريب القيادات. فكل الديمقراطيات المستقرة تقريبًا قامت على وجود أحزاب قوية ومؤسسات سياسية راسخة، لا على المبادرات الفردية أو الحركات العفوية وحدها.
💬 التعليقات (0)