أعادت الفيضانات الأخيرة التي اجتاحت مناطق واسعة في شرق سوريا تسليط الضوء على أزمات تتجاوز حدود الكوارث الطبيعية المعتادة. فالمشهد الذي غمر القرى والأراضي الزراعية لم يكن مجرد تدفق للمياه، بل كان تعبيراً صارخاً عن حجم التحديات التي تواجه مجتمعاً خرج من سنوات طويلة من التفكك المؤسسي والانهيار البنيوي.
إن هذه الكوارث لا تصنع الأزمات من العدم، بل تعمل ككاشف للمستور، حيث تبرز هشاشة البنى التحتية وضعف القدرة على إدارة الأزمات لدى المؤسسات القائمة. ومن هنا يبرز تساؤل جوهري حول مدى جاهزية البنية الاجتماعية والمؤسساتية لاستقبال مفاهيم الديمقراطية والمجتمع المدني في ظل هذا الواقع المتردي.
خلال السنوات الماضية، تصدر الحديث عن المجتمع المدني بوصفه الركيزة الأساسية للتحول الديمقراطي في سوريا، إلا أن هذا النقاش غالباً ما يتجاهل تعقيدات الواقع. فالمجتمع المدني لا يولد بقرار سياسي فوقي، بل هو نتاج مسار تراكمي من بناء الثقة وترسيخ سيادة القانون وثقافة المشاركة الوطنية.
تزداد الحالة السورية تعقيداً بالنظر إلى السياسات السابقة التي عملت على تدجين المجتمع المدني وإلحاقه بشبكات الولاء السياسي. هذا النهج أدى إلى تآكل المؤسسات المستقلة، بل وامتد أثره ليصيب الروابط الاجتماعية التقليدية التي كان من المفترض أن تكون صمام أمان للتضامن المجتمعي.
من الضروري اليوم التمييز بدقة بين المجتمع الأهلي القائم على الروابط العائلية والعشائرية، وبين المجتمع المدني القائم على المواطنة والتنظيم الطوعي. المشكلة الحقيقية تكمن في تحويل الروابط الأهلية إلى أدوات سياسية تفقد استقلاليتها ووظيفتها الاجتماعية الأصلية في تعزيز التماسك.
عملية إعادة الإعمار في سوريا لا يجب أن تقتصر على ترميم الحجر والأسمنت، بل يجب أن تشمل إعادة ترميم العلاقات الاجتماعية الممزقة. فالدولة لا يمكن بناؤها بمعزل عن مجتمعها، كما أن المجتمع لا يمكنه التعافي في ظل مؤسسات عاجزة تفتقر إلى ثقة المواطن.
💬 التعليقات (0)